حكاية (المنزل الأعوج) في بورتسودان ورجل مجهول الهوية توسط وفدًا حكوميًا

0

كتب- عزمي عبد الرازق- حكاية (المنزل الأعوج) في بورتسودان.. تفاصيل جديدة ومثيرة في صفقة نظام تتبع الشحنات (ACD)- في صباح الثلاثين من أكتوبر 2025، اجتمع كبار المسؤولين في وزارة المالية السودانية لتوقيع عقدٍ بدا للوهلة الأولى خطوة نحو التحديث، كان هناك الوزير جبريل إبراهيم، ومدير عام الجمارك، وبعص الوجوه المألوفة لكن في الصورة التي نشرتها وكالة الأنباء الرسمية “سونا”، ظهر رجل مجهول؛ بلا اسم، وبلا تعريف لم يكن مجرد وجه عابر، وإنما علامة استفهام معلقة فوق عقد بملايين الدولارات، وهنا تنبهنا القراءة التفكيكية أن الهامش قد يكون هو المتن، وأن ما تُخفيه الصورة أحيانًا أهم بكثير مما تعرضه.

 

في قصة “المنزل الأعوج” (Crooked House) لملكة الجريمة أجاثا كريستي، والتي تقدم تشريحاً دقيقاً لـ “زواج المال بالسلطة”، تدور الحبكة حول المليونير العجوز “أريستيد ليونيدز”، رجل الأعمال الذي بنى ثروته الطائلة من خلال استغلال الأزمات، والتحايل على القوانين، وبناء شبكة معقدة من الملاذات الضريبية لحماية أمواله، قبل أن يُقتل في ظروف غامضة. هناك، فطن المحققون إلى أن الضربة كانت خفيفة ومفتعلة، مع اختفاء الدفتر الأسود الصغير لحفيدته “جوزيفين”، والذي كانت تدوّن فيه ملاحظاتها، المثير أن ذلك الدفتر كان في الحقيقة “مذكرات الجريمة”؛ وهو نفسه الخيط الذي نبحث عنه اليوم داخل نظام تتبع الواردات السوداني. وهنا، لا ينبغي لنا أن نُسلّم عقولنا للرواية الرسمية، لاسيما وأن دخان المعارك أثناء الحروب يحجب الكثير من الحقائق، وربما يعاجلك العدو بطعنة غادرة، أو كما صرخ أمل دنقل: “إن سهماً أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف”.

 

في كادر الصورة، احتفت وكالة “سونا” بتوقيع عقد شراكة لإنشاء وتشغيل منصة الإقرار المسبق للشحنات (ACD) بين هيئة الجمارك السودانية وشركة (Sustainable & Alpha Group) بحضور وزير المالية د. جبريل إبراهيم. وقد كتبت “سونا” بعبارة مبهمة، حذرة، ومريبة: “وقّع عن الشركة ممثلها”، دون ذكر اسم، أو صفة، أو جنسية! وقبل أيام من التوقيع، عُقدت ورشة بقاعة الموانئ في البحر الأحمر للتبشير بالمنصة، رصدها تلفزيون السودان في نشرة التاسعة، وغاب ممثل الشركة تماماً عن منصة الحديث، إذ تنقل التقرير بين ملامح اللواء نابغ المدني، والعميد هشام الطاهر، ومدير المواصفات الوليد محمد عثمان، بينما حاول ذلك “الممثل” إخفاء نفسه وراء جدار الصمت الروتيني، وهو ذاته الذي يظهر في الصورة الملحقة بهذا التحقيق، فياله من تصرف غريب!

 

المفاجأة الصادمة تجلت في ملامح الوجه الظاهر في الصورة الرسمية؛ إنه (أشرف المبارك) شقيق شخصية أخرى مثيرة للجدل.. فهل تواجد الرجل بالخطأ في كادر الصورة، أم هو ذاته “الممثل” المحجوب اسمه؟

 

يبدو المشهد هنا كأنه استدعاء تراجيدي لشخصية “حنا يعقوب” في رواية “دروز بلغراد”؛ بائع البيض البسيط في مرفأ بيروت الذي أُخذ بالخطأ مكان أحد المنفيين وصعد إلى السفينة متجهاً إلى البلقان. فهل أشرف هنا مجرد بائع بيضٍ بسيط وضحية في مرفأ الجمارك، أم أنه الواجهة المحلية لـ “شبح” استثماري عابر للحدود؟

 

من المهم التذكير بأن نظام الإقرار المسبق للشحنات في السودان هو “نظام مستورد بلا حاجة فعلية”، جرى تفويضه عبر تعاقد مباشر ودون عطاء مفتوح لشركة واجهة تُدعى ساسيتينبل آلفا جروب (Sustainable & Alpha Group)، والتي ليست في الحقيقة سوى غطاء لشركة أجنبية مقرها دبي تحت اسم (ITR Logistics & Trade DMCC Free Zone)؛ وذلك لتحصيل ملايين الدولارات من جيوب السودانيين، بلا خدمة حقيقية، مع تعريض الأمن الغذائي والمعلوماتي للبلاد للانكشاف والخطر.

 

عندما تفتح موقع المنصة الرسمية (acdsudan.com)، سيتسلل إليك الشك الفني سريعاً. وبنظرة فاحصة ومقارنة تقنية بسيطة، تجد أن هذه المنصة تتطابق في الشفرة البرمجية، والتصميم، والتوزيع مع منصة أخرى تُدعى (acdyemen.com).. الخيوط الرقمية تقود إلى مصمم واحد، هو ذاته الذي يقف خلف منصة (scktr.com)، وهي منصة تركية تقدم خدمات تتبع الشحن الإلكتروني لمعظم دول أفريقيا. من هنا يبرز السؤال المأخوذ بالريبة: هل باعت هذه الشركة التركية “الهوى” للسودان عبر تغيير اسم النطاق (الدومين) فقط، لإيهام صانع القرار الوطني بأنها منصة سيادية ومحوكمة؟ الأزمة الحقيقية ليست في السمسرة الرقمية فحسب، وإنما في أن هذا النظام برمته عبارة عن برنامج بسيط للغاية، يمكن لكوادر الجمارك السودانية ووزارة التحول الرقمي والاتصالات تنفيذه داخلياً في أقل من شهر وبأيدي سودانية- إن صح منها العزم- لتحصل الدولة على هذه الأموال الدولارية، فلماذا تُسلم المفاتيح لـ “طرف ثالث”؟

 

في العُرف التجاري المحلي والدولي، تُحاط الصفقات الثنائية بسرية الحسابات المصرفية؛ فالتاجر في السوق المحلي يغضب لمجرد أن يعرف جاره بكم اشترى، ومن أين، وكيف دفع. وعقود البيع الدولية تُذيل دائماً بفقرة ثابتة وصارمة هي “بند عدم الإفشاء” (NDA). هذه الأسرار التجارية تشمل أسماء طرفي المعاملة (المصدر والمستورد)، الأسعار الحقيقية للبضائع والسلع الأساسية، وشروط الدفع والتسليم والتأمين. كما أن أجهزة الدولة السيادية (كالجمارك، والمواصفات، ووزارة التجارة، وبنك السودان) هي وحدها المخولة قانوناً بالاطلاع على هذه البيانات عبر مسار الإجراءات الروتينية، وحين تنشرها، فإنها تنشرها في شكل بيانات إحصائية عامة تكتفي بمتوسط الأسعار دون الإشارة لشركات بعينها. أما أن تُفوّض شركة أجنبية لا تخضع لقوانين البلاد لإصدار هذه الشهادات والاطلاع الحر على أسرار التجارة الخارجية والأمن الغذائي، فإن ذلك يعني منحها الضوء الأخضر للمتاجرة بهذه البيانات وتداولها، وعرض مصالح المستوردين الوطنيين للخطر في السوق الدولي. وحتى اللحظة، لم تصدر الجمارك دليل التعامل مع المنصة، وترك السوق يتساءل بذهول: كيف ولماذا ومن الذي يستخرج الرقم المرجعي (ACID)؟ هل هم المخلصون، أم وكلاء الشحن، أم طرف ثالث مجهول الهوية والتبعية والمكان؟

 

بعد مراجعة المصادر المفتوحة وتقليب الأوراق المتاحة، تبين أنه لا توجد معلومات كافية تربط (Sustainable & Alpha Group) بسجل تجاري أو موقع رسمي يوضح ملاكها أو إدارتها، وهو أمر غير معتاد مطلقاً بالنسبة لشركة حصلت على عقد حكومي بهذا الحجم.

 

المعلومات التي أمكن التحقق منها هي توقيع الشركة في 30 أكتوبر 2025 عقداً مع هيئة الجمارك السودانية لإنشاء وتشغيل منصة الإقرار المسبق للشحنات (ACD) بحضور وزير المالية وقيادة الجمارك، فيما أشارت الأخبار الرسمية إلى أن العقد وقّعه “ممثل الشركة”، دون ذكر اسمه أو اسم المدير العام أو رئيس مجلس الإدارة. كما أنه ليس من الطبيعي عدم العثور على أي موقع رسمي أو سجل منشور يوضح مكان تسجيل الشركة، عنوان المقر الرئيسي، وأسماء المساهمين، ومن الذي أحضرهم! وهل وزارة المالية على علم بكافة هذه التفاصيل؟ أم أنها متورطة في شكل من أشكال المحاباة والصفقات السرية؟

 

حتى هذه اللحظة، تُحاط الهوية القانونية التفصيلية للشركة التي تدير هذا المشروع بالغموض داخل السودان، وهناك احتمالان لتبعيتها الإدارية بناءً على سجلات قطاع الأعمال الدولي: الاحتمال الأول إذا كانت الشركة مسجلة ككيان استشاري مستقل في مجال التكنولوجيا والبيانات، فإن الشركات الدولية التي تحمل هذا الاسم يقودها شركاء ومؤسسون تنفيذيون مثل الخبير التقني “روس هاميلتون” (Ross Hamilton) كشريك إداري ومؤسس، أو “آنا ساير” (Anna Sayer). الاحتمال الثاني، إذا كانت تابعة لمجموعة “آلفا جروب” الدولية الكبرى المتخصصة في الحلول المالية والتجارة، فإن الرئيس التنفيذي لهذه المجموعة هو “كلايف كان” (Clive Kahn).

 

لكن يصعب القطع بأي من هذه المعلومات؛ فما قامت المنصة بنشره حتى الآن في موقعها الإلكتروني باللغة الإنجليزية، ليس سوى محاولة لتسويق نظام التتبع البواخر (ECTN)، مشيرة إلى أنها وثيقة إلزامية مطلوبة للشحنات إلى بعض البلدان الأفريقية، وأن النظام يوفر معلومات مفصلة عن الشحن والسفينة والمصدر قبل وصول البضائع إلى ميناء الوجهة. وحذرت المنصة الغامضة بأنه قد يؤدي الفشل في الحصول على (ACD) إلى غرامة أو تأخير أو رفض الشحن في ميناء الدخول، وأكدت أيضاً على أن مكتبها الرئيسي يقع داخل سلطة الجمارك في السودان!

 

هنا لا تستطيع تجاوز هذه التناقضات، إذ كيف يكون مكتبهم الرئيسي في بورتسودان، بينما الجهة التي تصدر الشهادات موجودة في دبي، أو في مكان آخر غير معلوم؟! والرسوم تدفع بالدولار عبر حسابات خارجية، ولماذا لا توجد معلومات كافية حول الشركة، والأموال التي تتحصلها، وما هي نسبة الحكومة السودانية منها؟ وهل تكتفي هذه الواجهة بجمع الأموال أم جمع المعلومات؟ وما هذه الصدفة الغريبة التي أوجدت السيد “أشرف المبارك” رفقة وزير المالية وهيئة الجمارك في يوم التدشين وفقاً لوكالة “سونا”؟ ثمة لغز محير في هذه القضية، محير جداً.

 

لا يمكن لقارئ المشهد الاقتصادي السوداني المخنوق بالحرب أن يمر على هذه الوقائع دون أن يربط الخيوط ببعضها، هنالك تقاطع مريب في الأداء والأسلوب بين قضيتين: قضية رخصة شركة “العسجد” التي مُنحت لجهة خاصة للتغول على المعلومات المالية والرقابة وسُحبت لاحقاً بعد تحقيق وضغط تتبع رخصتها، وقضية شركة (Sustainable & Alpha Group) التي مُنحت أيضاً رخصة السيطرة على معلومات التجارة الخارجية والأمن الغذائي من بلد المنشأ.

 

فهل من قبيل الصدفة أن تظهر هذه الكيانات الغامضة فجأة، وبلا عطاءات علنية، لتستلم مفاصل التحصيل الرقمي والمعلوماتي للدولة في أكثر مفاصلها حساسية؟ هذا ما نحاول أن نصل إليه، نفض بكارته، ونستوثق منه أكثر في الحلقات المقبلة، بإذن الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.