أمجد فريد يخاطب بريطانيا في مقال ساخن نشرته صحيفة فاينانشال تايمز
كتب مسشار رئيس مجلس السيادة السوداني د. أمجد فريد الطيب مقالا في صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية بعنوان “يمكن للمملكة المتحدة أن تساعد في إنهاء الحرب الأهلية في السودان” قائلا: رسمت بريطانيا الهيكل الإداري للدولة السودانية الحديثة، والتناقضات المؤسسية التي ورثتها الأجيال اللاحقة. وبعد أن شكلت ذات يوم قواعد الحياة العامة في السودان، لا تستطيع المملكة المتحدة الآن أن تغض الطرف بينما يجري تفكيك تلك الدولة عمدا.
يعاني السودان اليوم من تفكيك متعمد لمجتمعه على يد مليشيا لا يمثل عنفها أثرا جانبيا للحرب، وإنما جوهر أسلوبها السياسي. فقد نشأت قوات الدعم السريع من رحم الجنجويد، الذين أتقنوا الإرهاب القائم على العنصرية والهندسة الديموغرافية في دارفور عبر ارتكاب المجازر بحق المجتمعات الإفريقية السودانية خدمة لنظام عمر البشير. واليوم ترتكب المجازر بحقهم مرة أخرى، بدعم من الإمارات العربية المتحدة. الضحايا لم يتغيروا الذي تغير فقط هو داعمو المليشيا وذريعتها.
وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش عمليات تطهير عرقي. وسجلت منظمة العفو الدولية استخدام المليشيا للعنف الجنسي على نطاق واسع. ووصف ناجون تدمير زمزم، أكبر مخيم للنازحين في البلاد. وعندما سقطت الفاشر في أكتوبر 2025، كانت المجازر التي تلت ذلك مرئية من الفضاء. وفي فبراير 2026، خلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أن الهجوم يحمل سمات الإبادة الجماعية. كانت الجريمة متوقعة، وشوهدت في الزمن الحقيقي، ووثقت، ولم يتم منعها. والآن تفرض قوات الدعم السريع حصارا على مدينة الأبيض.
أدانت المملكة المتحدة هجوم قوات الدعم السريع، وفرضت عقوبات على كبار قادتها، وقادت قرار مجلس حقوق الإنسان الذي فوض التحقيق، وانضمت إلى شركائها في التعبير عن “الغضب الجماعي” هذه خطوات إيجابية، لكن الإدانة لا يمكن أن تكون بديلا عن السياسة.
ورغم أن القوات الحكومية اتهمت أيضا بارتكاب فظائع وجرائم حرب، فإن البيانات المستقلة لا تدعم لغة “الطرفين” فقد نسب تقرير منظمة أكليد غير الربحية لعام 2024 نسبة 77 في المئة من الأضرار المسجلة بحق المدنيين إلى قوات الدعم السريع، ونحو 10 في المئة إلى القوات الحكومية. والمساواة بينهما ليست حيادا، بل تشويه. ومن خلال الاختباء خلف خطاب المساواة، منحت بريطانيا وشركاؤها قوات الدعم السريع شكلا من أشكال الإفلات المؤسسي من العقاب.
لا يحتاج السودان إلى شفقة متنكرة في هيئة دبلوماسية. إنه يحتاج إلى أن تقوم حكومة المملكة المتحدة بحظر قوات الدعم السريع بموجب قانون الإرهاب، وتعليق تراخيص تصدير السلاح إلى الإمارات ما دام هناك خطر موثوق بتحويله، والأمر بإجراء تحقيق مستقل في كتم التحذيرات من الإبادة الجماعية، والمطالبة بمساءلة تطال قادة المليشيا وممكّنيها الخارجيين على حد سواء.
السؤال المركزي أمام الضمير البريطاني هو ما إذا كان صوت المملكة المتحدة قد خفت بسبب المال الإماراتي وسوق السلاح. دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي، موثق بما لا يدع مجالا جديا للشك.
لقد ظهرت الآن معدات بريطانية محولة إلى أيدي المليشيا، منها أنظمة استهداف مصنوعة في ويلز، ومحركات بريطانية الصنع في ناقلات مدرعة عثر عليها في ساحات القتال السودانية. وقد أبلغ مجلس الأمن الدولي بذلك، لكن لندن واصلت الموافقة على التراخيص، ضمن تراخيص تصدير أسلحة إلى الإمارات بلغت قيمتها 825 مليون جنيه إسترليني منذ عام 2020، مع تسجيل زيادة في عام 2025 بعد وصول أدلة تحويل السلاح إلى الحكومة. إن فرض حظر سلاح على السودان مع استثناء الإمارات منه لا قيمة له.
اتهم مصدر داخلي كاشف عن المخالفات وزارة الخارجية البريطانية بتخفيف حدة التحذيرات الداخلية بشأن عنف يحمل طابعا إباديا، وذلك، بحسب الاتهام، لحماية العلاقات مع أبوظبي. كما أشارت تقارير سابقة إلى أن الحكومة سعت إلى كبح الانتقادات الموجهة إلى الإمارات بسبب تسليحها للمليشيا، وأن أبوظبي ألغت اجتماعات لمعاقبة الصراحة البريطانية. وهذه الاتهامات تستوجب تحقيقا مؤسسيا كاملا.
وبينما تعلن بريطانيا حزنها على معاناة السودانيين في العلن، فإنها تعاقب الشعب السوداني بسياساتها ففي مارس 2026، فرضت وزارة الداخلية البريطانية تعليقا شاملا على تأشيرات الدراسة للمواطنين السودانيين، ضمن مواطني ثلاث دول أخرى، مما ترك طلابا وباحثين عالقين، وقطع أحد المسارات القانونية القليلة المتبقية أمام جيل قصفت جامعاته ونهبت مختبراته.
قوات الدعم السريع ليست “طرفا في نزاع”، بل هي منظمة إرهابية، وينبغي أن يقول القانون ذلك. فتحت واشنطن هذا الباب من خلال إلزامها بإجراء تقييم رسمي لقوات الدعم السريع من أجل تصنيفها إرهابيا. وتمتلك بريطانيا أداة مماثلة بموجب قانون الإرهاب لعام 2000. سيحقق الحظر ما لا تستطيع البيانات تحقيقه: تجريم تمويل المليشيا، وإغلاق لندن أمام أموالها وجماعات الضغط التابعة لها، وتجريد ممكّنيها من الوهم القائل إنهم يدعمون فاعلا سياسيا لا جماعة إرهابية.
بمقدور بريطانيا أن تركن إلى منطقة الراحة المتمثلة في “القلق المحسوب”، فتكتفي بإصدار البيانات بينما تواصل محركات الحرب دورانها بقطع غيارٍ مُرخّصة أو يمكنها أن تتصرف بالجدية التي يفرضها تاريخها، ومؤسساتها، وقيمها المُعلنة لقد جعل التاريخ من بريطانيا جزءاً لا يتجزأ من الشأن السوداني منذ أمدٍ بعيد والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الحكومة البريطانية الجديدة ستكون مجرد شاهدة، أو متواطئة، أم واحدةً من القوى القليلة التي تنحاز أخيراً للحقيقة بدلاً من المواءمات المريحة.
