صحيفة تكتب.. زرت الخرطوم لكنها لم تعرفني ولم أعرفها

0

كتبت الصحفية صباح احمد.. زاوية النظر إلى الأوضاع في الخرطوم تختلف من شخص لآخر؛ فكل إنسان يراها من موقعه الجغرافي ومن تجربته الخاصة. هناك تفاوت كبير بين المناطق بحسب درجة تأثرها أو عدم تأثرها بالمعارك. فعلى سبيل المثال، أوضاع سكان كرري عموماً، والحارات أو الثورات خاصة، إضافة إلى مناطق الريف الشمالي مثل الكوداب والحوشاب والحريزاب والكلية الحربية وما جاورها، تختلف كثيراً عن أوضاع مناطق أم درمان وامبدة والمناطق المحيطة بها.

 

وبحسب حجم الأضرار يمكن تقييم الأوضاع، كما أن نظرة الذين ظلوا في مناطقهم طوال الحرب تختلف عن نظرة الذين غادروها ثم عادوا بعد عمليات التحرير. كذلك تختلف وجهة نظر من ظلوا داخل السودان عن الذين اضطروا لمغادرته إلى الخارج.

 

خلال الفترة الماضية زرت الخرطوم مرتين. وأنا في الأصل ابنة الخرطوم؛ وُلدت فيها وعشت طفولتي في أركويت، وتربيت فيها ودرست جميع مراحلي التعليمية فيها، ولم أغادرها طوال حياتي إلا بسبب الحرب. لذلك أعتقد أن لدي تقييماً خاصاً للأوضاع، خاصة بعد أن عدت إليها ودخلتها من اتجاه الشمال قادمة من عطبرة.

 

(2)

أول ما وصلت شاهدت حجم الدمار والخراب، وهو امتداد لما رأيته في بدايات الحرب عندما غادرت الخرطوم من الجهة الجنوبية. كنت حينها في الكلاكلة، وعشت الشهور الأولى للحرب بكل مآسيها وويلاتها ومعاناتها. كنا من أوائل المناطق التي تضررت مباشرة عندما استهدف الطيران موقعاً تابعاً للدعم السريع في القبة شمالاً بالقرب من سوق أبو جولة وشارع 15، وهو حيّنا. لا يمكن وصف حالنا وقتها. كما عشنا حرب المشاة عندما سيطرت قوات الدعم السريع على الكلاكلات من الجنوب والشمال والشرق، وأصبحنا محاصرين بلا حول ولا قوة.

 

عند دخولي الخرطوم عبر كبري الحلفاية ثم كبري المك نمر إلى الخرطوم بحري، تأكدت من حقيقة رأيتها بعيني..مناطق بحري عبارة عن أطلال، وأجزاء كبيرة من مبانيها مدمرة، وتبدو خالية تماماً من الناس والحركة في الشوارع. لاحظت ذلك أيضاً في شارع المطار (شارع أفريقيا) وحتى صينية المركزي، حيث بدأت الحياة تدب قليلاً من خلال النشاط الاقتصادي والأسواق والمحلات التجارية. يمكن القول إن جنوب الخرطوم أقل سوءاً من شمالها ووسطها، لكن بمجرد الوصول إلى السوق المحلي تقل حركة الناس، باستثناء حركة الميناء البري بحكم السفر والمواصلات.

 

(3)

منطقة جبرات ما زالت بعيدة عن الاستقرار، ويتحسن الحال تدريجياً عند الدخول إلى العزوزاب وأبو آدم، بينما الكلاكلات تشبه إلى حد ما وضع السوق المركزي والصينية، لكن الناس مرهقون ومتعبون بشكل واضح.

 

في سوق الكلاكلة اللفة لاحظت انتعاشاً نسبياً في الحركة التجارية، وبعض البنوك والمحلات التجارية تعمل، مع وجود واضح للشرطة والأجهزة الأمنية. زرت شارع 15 وسوق أبو جولة والتقيت بالناس، لكن الإحساس العام أنهم فقدوا شيئاً كبيراً، وأن الحرب أثرت فيهم بعمق رغم صمودهم لأكثر من عامين.

 

(4)

قررت التجول في وسط الخرطوم والسوق العربي، وركبت مواصلات كبري الحرية. بصراحة، الخرطوم لم تعرفني ولم أعرفها. الانتشار الكثيف للعسكر جعلني غير قادرة على التصوير، وكان الجو مخيفاً وغير مريح. وسط الخرطوم وقلبها النابض متوقف حالياً، خاصة في المناطق الواقعة بين الكلاكلة والسوق العربي. توجد حركة محدودة في الشجرة والحماداب، لكنها ضعيفة في اللاماب والسجانة حتى كبري الحرية.

 

في زيارتي الثانية لاحظت تحسناً بسيطاً، لكنه بطيء جداً. البعوض منتشر ليل نهار، والمدارس الخاصة بدأت تستقطب الطلاب، لكن الخدمات ما زالت ضعيفة: انقطاع الكهرباء أو ضعفها، مع توفر المياه. المستشفيات تعمل مثل مستشفى التركي، لكن تكلفة العلاج والفحوصات والأدوية مرتفعة. أسعار الخضروات رخيصة، واللحوم أسعارها مثل بقية الولايات، لكن تذاكر المواصلات غالية. الاتصالات والإنترنت جيدة نسبياً، ولاحظت أن أم درمان أفضل حالاً من الخرطوم.

 

على المستوى الشخصي يمكنني العودة والاستقرار، لكني لن أكون مرتاحة في الكلاكلات بسبب ضعف الخدمات وصعوبة الحياة مقارنة بالعاصمة سابقاً. الحياة أصبحت مرهقة ومكلفة وتتطلب مجهوداً كبيراً للتعايش مع الواقع الحالي.

 

في تقديري، الجهات المسؤولة عن تطبيع الحياة وإعادة الإعمار مطالبة ببذل جهود أكبر تكون ملموسة على أرض الواقع، وليس فقط في التصريحات. هناك حاجة ملحة لبسط الأمن، وتأمين حياة الناس، وتخفيض تذاكر المواصلات، وإطلاق حملات لمكافحة الحشرات ونواقل الأمراض، وتأهيل المستشفيات، وتقوية شبكات المياه والكهرباء.

 

وتبقى مشكلة إعادة إعمار البيوت من أكبر العقبات أمام عودة الناس. على سبيل المثال، وجدت منزلنا مدمراً ومتشققاً، وبعض جدرانه آيلة للسقوط، ويحتاج إلى صيانة كبيرة لا تقل تكلفتها عن ثلاثة ملايين جنيه ليصبح صالحاً للسكن مع أولادي، إضافة إلى فقدان الأثاث المنزلي بالكامل من أسرة وأغطية وطاولات وخزائن وفرش وأجهزة كهربائية. وهذا قد يجعل تكلفة العودة إلى الخرطوم أكبر من تكلفة البقاء في نهر النيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.