أمر التفتيش من النيابة في حالة طفلة السامراب

0

كتب عميد شرطة متقاعد عمر محمد عثمان.. أمر التفتيش… بين حالة الضرورة وحرمة المساكن: قراءة قانونية في بلاغ السامراب.. اطلعتُ على خبرٍ تداولته وسائل الإعلام عن نجاح مباحث قسم شرطة الدروشاب بمحلية بحري في إنقاذ طفلة لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، بعد تعرضها – بحسب ما ورد في الخبر – لتعذيب وحشي وحرق وحبس داخل دورة مياه على يد خالتها وزوجها بمنطقة السامراب.

 

وقد انتهت العملية بإنقاذ الطفلة ونقلها إلى العناية المكثفة بمستشفى السلاح الطبي، بينما باشرت الشرطة إجراءاتها القانونية في مواجهة المتشتبه فيهم.

 

ولا يسع أي متابع إلا أن يشيد بهذا التدخل الحاسم والسريع من رجال الشرطة، الذين تعاملوا مع البلاغ بمستوى عالٍ من المسؤولية، فأنقذوا روحًا بريئة كانت، فيما يبدو، على حافة الموت. كما تستحق المواطنة التي بادرت بالإبلاغ كل التقدير، فقد أثبتت أن حماية الأطفال ليست مسؤولية أجهزة الدولة وحدها، وإنما هي مسؤولية مجتمعية يشترك فيها الجميع. فمثل هذه المواقف تؤكد أن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن يقظة المواطن قد تكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان.

 

غير أن عبارة “بموجب أمر تفتيش صادر من النيابة” التي وردت في متن الخبر لم تمرَّ عليَّ مرور الكرام، لأنها أثارت في ذهني تساؤلًا قانونيًا ومهنيًا يستحق النقاش: هل كان استصدار أمر التفتيش في هذه الحالة ضرورة إجرائية، أم أن حالة الضرورة التي كانت تهدد حياة الطفلة كانت تكفي لتبرير التدخل الفوري؟

 

الأصل في القانون السوداني أن للمساكن حرمة لا يجوز انتهاكها، وأن دخولها أو تفتيشها لا يتم إلا وفق الضوابط التي رسمها قانون الإجراءات الجنائية، وبموجب أمر صادر من النيابة العامة أو القاضي، بحسب الحال. وهذه الضمانة لم تُشرع عبثًا، وإنما لحماية الحقوق والحريات وصون خصوصية الأفراد.

 

وفي المقابل، فإن القانون ذاته لم يغفل الحالات الاستثنائية، إذ إن حماية النفس تعد من المقاصد العليا للعدالة. فإذا وجدت الشرطة نفسها أمام جريمة تقع في تلك اللحظة، أو أمام خطر حال يهدد حياة إنسان، أو كانت هناك ضرورة عاجلة لا تحتمل انتظار استكمال الإجراءات المعتادة، فإن حالة الضرورة قد تُبرِّر التدخل الفوري لإنقاذ الحياة ومنع استمرار الجريمة، على أن تخضع تلك الإجراءات لاحقًا لرقابة النيابة والقضاء.

 

وفي هذه الواقعة، ووفقًا لما ورد في الخبر، لم يكن البلاغ عن جريمة انتهت، وإنما عن طفلة صغيرة تتعرض لتعذيب مستمر وهي محبوسة داخل منزل. وفي مثل هذه الظروف يصبح الزمن عنصرًا من عناصر الجريمة نفسها، إذ قد يكون التأخير لدقائق معدودة هو الفارق بين الحياة والموت.

 

ولا يعني ذلك أن استصدار أمر التفتيش كان إجراءً غير صحيح، بل على العكس، فإن اللجوء إلى النيابة العامة واستصدار الأمر، متى سمحت الظروف بذلك، يُعد من الناحية القانونية الإجراء الأكثر تحصينًا، لأنه يعزز سلامة الإجراءات ويغلق الباب أمام أي دفع محتمل ببطلانها أمام القضاء. غير أن هذه الواقعة تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول حدود السلطة التقديرية لرجل الشرطة في حالات الضرورة، وكيفية الموازنة بين حرمة المساكن وواجب حماية الأرواح.

 

وبطبيعة الحال، فإن قراءة الوقائع بعد انتهائها تختلف عن معايشتها في الميدان. فالمحلل يملك رفاهية الوقت لإعادة النظر في كل الاحتمالات، بينما يتخذ رجل الشرطة قراره في لحظات قد يترتب عليها إنقاذ حياة أو فقدانها. لذلك فإن ما نطرحه هنا نقاشٌ مهني غايته إثراء المعرفة، وليس تقييمًا لقرار اتخذه رجال كانوا في قلب الحدث، وتحملوا مسؤولية الموقف بكل ما فيه من تعقيد وضغط.

 

ولعل في إحدى المقولات المتداولة في الأدبيات الشرطية ما يختصر هذه الفكرة، إذ تقول:

“A police officer has to make a decision in seconds that lawyers will argue about for months and judges will debate for years.”

 

أي: “يُطلب من رجل الشرطة أن يتخذ قرارًا في ثوانٍ، بينما قد يمضي المحامون أشهرًا في الجدل حوله، ويقضي القضاة سنوات في الفصل فيه.”

 

وليس المقصود من هذه المداخلة انتقاد الإجراء الذي اتخذته الشرطة، فنجاح العملية في إنقاذ الطفلة وضبط المتهمين يمثل في حد ذاته إنجازًا يُحسب للقوة التي باشرت البلاغ. وإنما المقصود هو لفت الانتباه إلى جزئية قانونية ومهنية تستحق التأمل، لأن مثل هذه الوقائع تمثل التطبيق العملي للنصوص القانونية أكثر مما تمثله الأمثلة الافتراضية التي ترد في الكتب.

 

ولعل القيمة الحقيقية لهذه الواقعة لا تقتصر على نجاح الشرطة في إنقاذ الطفلة وضبط المتهمين، وإنما تمتد لتجعل من هذا البلاغ نموذجًا عمليًا يستحق أن يُناقش ويُحلل. فالقاعات الدراسية تُعلِّم النصوص، أما البلاغات الحقيقية فتُعلِّم كيفية تطبيقها في ظروف يختلط فيها ضغط الوقت بخطورة القرار. ومن هنا، فإن مناقشة هذه الواقعة بين رجال الشرطة العاملين في المجال الجنائي، وأعضاء النيابة العامة، والمحامين، وطلبة كلية الشرطة، وطلاب كليات القانون، وكل المهتمين بالقانون، من شأنها أن تثري الفقه التطبيقي، وتوحد الفهم القانوني، وتعمم الفائدة على الجميع، وتسهم في تطوير الأداء المهني وترسيخ ثقافة اتخاذ القرار السليم في الظروف الاستثنائية.

 

ويبقى أن أهم ما في هذه الواقعة أن طفلة بريئة كُتب لها أن تنجو، بفضل يقظة مواطنة أدركت مسؤوليتها، واستجابة شرطية سريعة وحاسمة. ونسأل الله أن يمنَّ عليها بالشفاء العاجل، وأن ينال كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة البشعة جزاءه العادل، وأن تظل هذه القضية تذكيرًا بأن حماية الأطفال مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن سيادة القانون لا تتحقق فقط بمحاكمة الجناة، وإنما تبدأ أولًا بإنقاذ الضحايا وصون الحق في الحياة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.