مشهدٌ نادر ومؤثر أبكى الجميع
متابعات- الزاوية نت- في زمنٍ تتعالى فيه أصوات الغضب والانتقام، يظل العفو هو أسمى ما يمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان، مشهدٌ نادر ومؤثر أبكى كل من شاهده؛ بعد حادثة قتل راح ضحيتها أحد أبناء قبيلة البطاحين على يد أحد أبناء قبيلة الجعليين، تحركت جموع كبيرة من أهل الجعليين نحو أهل القتيل، يحملون معهم الاعتذار ورافعين الفاتحة، في موقفٍ يجسد قيم الشهامة وتحمل المسؤولية الاجتماعية.
وكان الرد أعظم من الموقف نفسه، حين قابل أهل البطاحين ذلك الحضور الكريم بالعفو والتسامح، مقدمين درساً بليغاً في تجاوز الجراح وتغليب قيم الدين والأخلاق على نوازع الثأر والانتقام.
إن العفو عند المقدرة ليس ضعفاً، بل قوة لا يملكها إلا الكبار. وما شهدناه في هذا الموقف يمثل نموذجاً سودانياً أصيلاً ينبغي أن يُحتذى به، ويؤكد أن التماسك الاجتماعي والتسامح قادران على إطفاء نيران الفتن وحفظ الأرواح وتعزيز السلام بين الناس.
وقال الناشط أيمن شرارة إن هذا المنظر يستحق الوقوف عنده طويلًا لأنه يحمل رسالة مهمة، خاصة لأهل دارفور، حيث وقعت حادثة قتل بين أحد أبناء قبيلة الجعليين وأحد أبناء قبيلة البطاحين. الجميع تعامل معها على أنها حادثة بين شخصين، ولم يحولوها إلى حرب بين قبيلتين. تحركت قيادات وأبناء الجعليين، من كبيرهم إلى صغيرهم، إلى ديار البطاحين اهل القتيل، وما إن وصلوا حتى رفعوا الفاتحة على روح الفقيد. لم يذهبوا بسلاح، ولم تصحبهم حكومة، ولم يرفعوا شعارات التحدي والانتقام، ولم يسمحوا لأحد بإشعال الفتنة بينهم.
وفي المقابل، استقبلت قبيلة البطاحين الوفد بروح تعكس الأصالة والرجولة. وقف الجميع احترامًا لاستقبال أهلهم من الجعليين، في مشهد جسّد معاني الشهامة وحسن الخلق، بعيدًا عن لغة الكراهية والانتقام. كان مشهدًا مؤثرًا تهتز له المشاعر وتدمع له العيون، حتى إن كل من شاهده تمنى أن يكون جزءًا من هذا الموقف الذي يعكس قيم الكرامة، والاحترام، وحسن التعامل بين الناس رغم قسوة المصاب.
هذه هي الإدارة الأهلية عندما تكون مسؤولة عن أهلها، وعندما تكون كلمتها محترمة، فيلتزم بها الجميع دون استثناء.
أما عندنا في دارفور، فإذا قُتل شخص، أو حتى ضاعت غنماية أو قُتل كلب، يتحول الأمر في ساعات إلى استنفار قبلي. يحمل الجميع السلاح، وتتحرك الفزعات، ويصبح أول شخص من القبيلة الأخرى هدفًا للانتقام، رغم أنه لا علاقة له بالحادثة. ثم يأتي بعض العمد والنظار ليؤججوا الموقف بخطابات الثأر والتحريض، بدلًا من إخماد الفتنة، فتتوسع دائرة الدم، ويسقط الأبرياء.
والأخطر من ذلك، أن قيادات اهلية وعسكرية تقوم بدعم أطراف النزاع بالسلاح والذخيرة والعربات القتالية، فيتحول الخلاف المحدود إلى معركة واسعة يدفع ثمنها أبناء القبيلتين.
وفي دارفور، أصبحت الإدارات الأهلية، جزءًا من هذا المشهد. تاخد مخصصات شهرية من قيادة مليشيا دقلو ، عربات، ووقود، وسكر، وزيت، ومصالح شخصية، بينما يغيب الدور الأساسي للإدارة الأهلية، وهو الإصلاح، وحقن الدماء، وحماية المجتمع من الانقسام.
ثم يأتي من يحمّل كل شيء للفلول أو لدولة 56، بينما الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها هي أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يبدأ من داخل مجتمعنا، ومن عقلية تدير الخلافات بالسلاح بدل الحكمة، وتقدم المصالح الفردية على مصلحة الناس.
ارجعوا ثلاثة أيام فقط إلى الصلح الذي جرى بين بني هلبة والسلامات. ستجدون أن كثيرًا ممن حضروا المؤتمر لم يكونوا طرفًا في الدماء التي سالت، وإنما حضروا للظهور الإعلامي وللمخصصات التي تُصرف في مثل هذه المؤتمرات. وإذا بقيت الأسباب الحقيقية كما هي، فلن تمضي أشهر حتى تتجدد المواجهات من جديد.
المشكلة ليست في الحكومة وحدها، وليست في الفلول، وليست في دولة 56 وحدها. المشكلة الأكبر هي عقلية إدارة الأزمات في دارفور، والإدارة الأهلية التي تركت رسالتها الأساسية، وانشغلت بأجندات ومصالح تخدم جهات عسكرية وسياسية ، بينما ظل المواطن هو من يدفع الثمن، وظلت دماء الأبرياء تسيل مع كل خلاف كان من الممكن احتواؤه منذ لحظاته الأولى.
