البنك الزراعي السوداني … حين يُساء الفهم وتبقى الحقيقة شاهدًا

0

بقلم : د. محمد منتصر صالح- في مهنة الصحافة ، تُقاس المسؤولية المهنية بقدرة الكلمة على الإحاطة بالسياق الكامل لا بالاكتفاء بالعناوين الثقيلة فالعناوين قد تُثير الانتباه لكن الوقائع وحدها هي التي تصمد أمام الزمن؛ في هذا الإطار جاء ما نشرته صحيفة مصادر في العدد (46) ، تحت عنوان رئيسي: «مسؤول سيادي يطالب بالتخلص من البنك الزراعي» عنوانًا واسع الأثر ، بالغ الحساسية ، لأنه تناول مؤسسة ليست كغيرها ، و لا يمكن اختزالها في خبر أو توصيف عابر.

صرحٌ لم يُبنَ بالحجر وحد

البنك الزراعي السوداني ليس مجرد كيان مصرفي ، بل صرح وطني تشكّل عبر عقود طويلة ، رُويَت خلالها أرض الوطن بعرق و وفاء مزارعين وطنيين ، و حملت أروقته خيرة المصرفيين الذين خدموا السودان في مواقع لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة ، مدفوعين لا بالإغراء ، بل بالإيمان برسالة سامية .

لقد حمل هؤلاء في قلوبهم و عقولهم رسالة البنك الزراعي السوداني ، التي تقوم على :

  •  تمويل القطاع الزراعي بكفاءة و استدامة
  •  دعم صغار المنتجين
  • تعزيز الأمن الغذائي
  •  تنمية الريف السوداني

و المساهمة في بناء اقتصاد وطني متوازن ، وفق أسس مصرفية مسؤولة و حوكمة رشيدة

ثبات في وجه التحولات

تعاقبت على البنك الزراعي حقب الشدة و الرخاء ، السلم و الحرب ، الاستقرار و الاضطراب.

تبدلت السياسات ، و تغيرت البيئات الاقتصادية ، لكن البنك ظل ثابتًا في أداء دوره التنموي ، لم يترنح و لم يتخلَّ عن رسالته ، و بقي حاضرًا حيث غاب الآخرون ، مؤمنًا بأن الزراعة ليست نشاطًا هامشيًا ، بل ركيزة بقاء و سيادة .

المديونية … حين تُقرأ بلا سياق 

التوقف عند أرقام المديونية ، دون وضعها في إطارها الاقتصادي و السيادي ، يُنتج قراءة ناقصة . فمحفظة البنك الزراعي هي محفظة تمويل تنموي بطبيعتها ، تعمل في بيئة عالية المخاطر ، و تتحمل مخاطر سيادية غير تجارية ، ترتبط بتمويل مواسم قومية ، و تقلبات مناخية ، و تدخلات سياسات عامة ، و أخيرًا آثار حرب طالت كل مفاصل الاقتصاد.

و القول بهذا لا يعني إنكار التحديات أو تبرئة الأخطاء ، بل وضعها في إطارها الصحيح ، بعيدًا عن التعميم أو الاختزال .

الضمانات … حقيقة العمل الزراعي 

التمويل الزراعي لا يقوم على الضمانات التقليدية وحدها ، بل على دورة إنتاج موسمية ، تتأثر بعوامل خارجة عن سيطرة المصرف و المزارع معًا.

و أي تقييم مهني منصف يدرك أن اختلال منظومة الضمان في هذا القطاع ليس انحرافًا مؤسسيًا ، بقدر ما هو انعكاس لطبيعة النشاط الزراعي نفسه ، حين يُدار في بيئة غير مستقرة.

في زمن الحرب … تتضاعف المسؤولية 

اليوم ، و مع الآثار العميقة للحرب على الاقتصاد الوطني ، يصبح الخطاب العام أكثر حساسية . فالتناول غير المتوازن لمؤسسة سيادية بحجم البنك الزراعي :

يربك ثقة المزارعين في ذراعهم التمويلية

يضعف معنويات العاملين الذين واصلوا أداء واجبهم في أقسى الظروف

و يبعث برسائل سلبية لشركاء الداخل و الخارج ، في وقت يحتاج فيه السودان إلى تثبيت لا إلى إرباك.

تحية مستحقة

التحية أولًا لعملاء البنك الزراعي من مزارعين حملوا على عاتقهم عبء الإنتاج في زمن الخوف و الندرة ،

و التحية للعاملين في البنك الذين ظلوا في مواقعهم جنودًا للوطن ، يؤدون واجبهم بصمت ، بعيدًا عن الأضواء ، مؤمنين بأن ما يقومون به ليس وظيفة ، بل رسالة وطنية .

الإصلاح … دون كسر 

الإصلاح المؤسسي مطلوب و المراجعة واجبة ، و المساءلة حق أصيل.

لكن الإصلاح لا يكون بكسر الثقة العامة ، و لا بتجريد المؤسسات من أدوارها التاريخية ، و لا بتقديمها للرأي العام كعبء في لحظة وطنية حرجة.

فالرهان الحقيقي ليس على هدم المؤسسات ، بل على إصلاحها و هي واقفة ، قوية بثقة مجتمعها ، و مسنودة بتقدير من يعرفون وزنها الحقيقي

ختامًا

سيظل البنك الزراعي السوداني ، بعملائه و بالعاملين فيه ، و بكل من حمل رسالته عبر السنين ، صمام أمان للأمن الغذائي ، و أحد أعمدة الصمود الوطني .

و مثل هذه الأخبار ، مهما كان أثرها ، لن تُضعف عزيمة من اختاروا خدمة هذا الوطن ، بل ستزيدهم قوةً و تماسكًا و التزامًا بالدور الذي يشبههم .

فهنيئًا للوطن بخيرة جنوده في الحقول و المكاتب

و هنيئًا للزراعة بسندها

و سيظل الأمل أخضر

ما دام في الأرض من يزرعها

و في المؤسسات من يحرس رسالتها

و لا ينكسر .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.