العودة إلى المدينة “المحروقة”.. تفاصيل المأساة في الخرطوم

1

حكايا ومآسي يرويها- هاشم عبد الفتاح- لم أكن اتحسب ليوم اخرج فيه من دياري (وبيتي) بمنطقة الصالحة في الخرطوم .. لكن يبدو أن صراع الحياة والموت والحرب والسلام عجل بخروجي قهرا (وتهجيرا) تحت طائلة الحرب وحينها يممت وجهي شطر مسقط رأسي (الكريمت) في رحلة (قاسية ) ومليئة (بالرهق) والمغامرات، عبر طريق النيل الأبيض بالضفة الغربية امتدت لثلاثة أيام..وتلك حكاية أخرى سنروي (تفاصيلها) لاحقاً..!

 

 

 

فبمثل ما للخروج (قصة)..فللعودة أيضا حكاية..وحكاية..!

عامان وشهران غبنا فيها عن ديارنا قضيناها (ومشيناها) خطى كتبت علينا. رحلة من أيام العمر. قست فيها معادلات (العسكر والسياسة) ..فقد أجبرتنا (الظروف) بالتخلي عن مهنة البحث عن (المتاعب) لنجد أنفسنا في غيابة جب المتاعب(حائرين) ..وفي مواجهة طوفان جديد.. ومتاعب أخرى ما بين (نزوح..ومآلاته).. بين رهق ورحيل وسفر فيه تتبدل (الأوضاع) وتتباين الصور وتتعقد الحسابات..فكنا (كالمستجيرين) بالنار من الرمضاء..!

 

 

 

لكننا الآن وحينما هدأت الأوضاع وانطفأت نار الحرب بالخرطوم.. بدأنا نفكر في رحلة العودة فحملت (حقيبتي) وتوجهت إلى هناك في زيارة ربما (استكشافية) لتقييم الأوضاع على الأرض .

حملت حقيبتي وغادرت (الكريمت) وتوجهت ناحية المناقل..رغم المحاولات المتكررة من اسرتي لإثنائي عن فكرة الذهاب إلى الخرطوم .. لا أحد من أفراد أسرتي كان يوافقني على هذه الزيارة بل اعتقدوا أنها (مغامرة) متهورة ولكني عزمت وغادرت..!

 

 

 

 

* بداية الرحلة ..!

في (قنطرة ود اللمين ) وجدت عربة (دفار) محملة بكميات من جوالات الذرة يبدو أنها قادمة من القضارف ومعلوم أن ولاية القضارف هي أم الصوامع(ومطمورة) انتاج وتخزين الذرة في السودان..

أبلغني سائق الدفار بأن محطته النهائية هى (معتوق) ..

 

 

 

فقلت له: خيرا على بركة الله فافسح لي الرجل مقعدا بجواره داخل كابينة القيادة ، فبدأ يحكي لي عن معاناته مع (الارتكازات ) ونقاط العبور على طول الطريق منذ أن تحرك فجرا من القضارف تجاه المناقل والقرشي ، ولاحظت أن هذا (السائق) وهو شاب يبدو أنه في العقد الثالث ..يضع بجواره (حزمة) أوراق مالية من الفئات الورقية الصغيرة ، فكان كلما توقف عند إحدى نقاط العبور أخذ معه (قدرا) من المبلغ الموجود أمامه ثم يترجل ويتجه ناحية أفراد العبور ، ثم يعود إلى مقود القيادة حينها يكون المبلغ قد استقر تماماً في جيوب هؤلاء الأفراد ، وقد تكرر هذا المشهد امامي (مرات..ومرات).

 

 

 

 

والمؤسف حقاً أن هذه الأساليب ظلت تحدث باستمرار رغم أن هناك أوامر وتوجيهات صادرة من السلطات الولائية تمنع تحصيل أي رسوم عبور من المحاصيل والمنتجات الزراعية والصناعية وأدوات الطاقة الشمسية ، وكنت ألحظ امتعاض السائق (وهمهماته) عند مغادرة كل ارتكاز أو محطة عبور ، ولكن حينما اوقف السائق محرك العربة عند محطته النهائية في مدينة معتوق كان المبلغ الموجود أمامه على (الطبلون) قد نفد وتلاشى تماماً ، ويبدو أن هذه الرسوم هي اقرب إلى (التسهيلات) من كونها رسوم تذهب مباشرةً إلى خزينة الدولة..! .

 

 

 

فكانت تلك هى حكاية (العبور المستحيل) لأصحاب الشاحنات أو حتى العربات الصغيرة ..!

* معتوق..المحطة الثانية..! ومن معتوق ، كانت المرحلة الثانية في مشوار الاتجاه إلى الخرطوم ويبدو إني كنت محظوظاً حيث سألني صاحب عربة بوكس ..

إلى أين ياشاب ؟

قلت إلى الخرطوم بإذن الله..

قال: القطينة كويسة معاك..؟

قلت : كويسة جداً..!

فقفزت (قفزة شاب) رغم اني تجاوزت السقف الأعلى لمرحلة الشباب فوجدت بجواري (شابين) لا تظهر عليهم أي ملامح تشير إلى أنهم عاشوا ظروف الحرب والنزوح وربما لاول مرة يمرون بهذا الطريق..فهم كانوا يسألونني بين حين وآخر عن أسماء بعض القرى والمناطق التي نمر بها..!   كان البوكس يسير بسرعة ربما تجاوزت المائة كيلو في الساعة فالشارع كاد يخلو من حركة العربات..!

 

 

 

مددت رجلي في حدود ماهو متاح لي من مساحة..فالعربة كغيرها من العربات المتجهة هذه الأيام إلى الخرطوم تحمل على متنها (خيرات) أهل الجزيرة من جوالات بصل وذرة وسكر وزيت ، لأن العائدين إلى ديارهم في الخرطوم لابد لهم أن يتزودا بهذه المواد نسبة لارتفاع أسعارها أو صعوبة الحصول عليها ..!

* ملامح وآثار الحريق..!

 

 

 

كنت أشاهد آثار الحرب بائنة على إمتداد الطريق إلى القطينة ..عربات محروقة أو قل(مشفشفة) متناثرة كالجثث في العراء .. الأرض جدباء جرداء ربما بلا حياة بعض منها تحول إلى (خنادق) أو تروس..كنوع من أساليب (وتكتيكات) الحرب لتأمين المدن والقرى والمؤسسات الاستراتيجية..

 

 

 

وفي منطقة (نعيمة) تحديداً بالنيل الأبيض.. كنا نلحظ بوضوح آثار الحريق في الأسواق ، وعلى محطات الوقود ..فلم تعد مشاهد ما قبل الحرب كتلك التي نشاهدها الآن ما بعد الحرب على طول الطريق..! فكانت ملامح البؤس والاشلاء والانقاض كمشاهد تتزاحم أمامنا .

 

 

 

تاكسي القطينة..!

ومن القطينة استغلينا (التاكسي الأصفر) حيث كانت وجهتنا الكلاكلة اللفة وهى محطة رئيسية وفيها تبدت ملامح الخرطوم القديمة تلوح في الأفق..حيث حركة المارة وصخب (الفريشة) وأصوات الباعة المتجولين, فكأنما هنا كل شيء بدأ يعود إلى حالة (التطبيع) إلا أن آثار الحرب وملامحها بائنة على وجوه الناس بؤسا(وقسماتهم) واجسادهم النحيلة ، وبمثل ما أن للحرب (تغيرات) وتبدلات على الأرض والإعمار والبنى التحتية فإن تداعياتها وآثارها أيضا على (أشكال) البشر لا تخطئها عين كل حصيف.

 

 

 

لكن أكثر ما يثير انتباه العائدين إلى الخرطوم من اول (وهلة ) هو كثرة وكثافة العربات المحروقة والمعطلة والمتناثرة بكل أنواعها على طول الطريق الرئيسي وداخل الأحياء والأزقة .. وما بين سيارة وأخرى كنا نجد أيضا (آلة) أو أداة من أدوات الحرب وبقاياها ومخلفاتها.. وهذه المشاهد وجدناها بشكل واضح في منطقة الكلاكلة وبالأخص منطقة الاحتياطي المركزي وحتى منطقة المقرن بالخرطوم ، وعلى طول هذا الطريق شاهدنا كذلك.. كيف احترقت المباني (الشاهقة) وتحولت إلى أشلاء وهياكل خرسانية بلا حياة ، باستثناء بعض حركة أفراد الارتكازات والحراسات الموجودة أمام بعض المرافق والمؤسسات الهامة والاستراتيجية وتحديدا منطقة (سك العملة) ومباني الاستراتيجية وبعض المواقع الأخرى بشارع الغابة ..

 

 

 

 

وبات واضحاً أن المليشيا كانت حريصة على هدم وتدمير كل جماليات الخرطوم في منطقة (مقرن النيلين) ، فأصبحت المنطقة بكاملها عبارة عن أطلال بكائية وخرابات ، فكانما لسان حالها يقول : ( كانت هنا الخرطوم) .

 

 

 

* بؤس على مقرن النيلين..!

وعند مدخل كبري (الحديد) وقبالة قاعة الصداقة تلاشت كل المعالم القديمة (حرق ورماد وتدمير وانهيارات) كنا نشاهد بعض محاولات النظافة وإزالة الأنقاض، لكن يبدو أن هذه المحاولات لا تكافي القدر المطلوب من الجهد والإرادة (والهمة) وحتى الحركة عبر هذا الكبرى تكاد تكون ضئيلة جداً باستثناء حركة سيارات أفراد القوات النظامية وبعض السيارات الخاصة

 

 

 

* الطريق إلى الصالحة..!

* وهنا تذكرت الطريق الي سمرقند

وأثناء تحركنا إلى منطقة الصالحة مرورا (بالفتيحاب) كانت آثار الحرب أكثر قسوة على البنايات وخطوط الكهرباء والمياه وحتى الأشجار باتت (شاحبة) وهي تقف،يلفها الحزن أما الأرض فقد اختلطت فيها (حبات الحصى) بالرصاص والذخيرة بعد أن تخضبت بالدماء والبارود وآثار الجثث التي تناثرت في العراء ، فلم تكن منطقة جنوب امدرمان وبالأخص منطقة الصالحة، سوى (حقلا فسيحا) لمعارك الحرب ورحاها(والاقتناص)

 

 

 

كانت منطقة صالحة وقراها على إمتداد الريف الجنوب الغربي لأمدرمان ، بمثابة الخيار الأخير للمليشيا لمرحلة ما قبل (الهروب) الأخير من ولاية الخرطوم.

 

 

 

حيث كانت معاناة المواطنين مضاعفة وقاسية وفقدت المليشيا تماماً كل أنواع الإمداد من السلاح والغذاء ووسائل ، الحركة في ظل حصار قوي احكمت قبضته القوات المسلحة على كل المداخل والمخارج ماعدا مخرجا وحيدا جهة الغرب وعبره ولت المليشيا الدبر (هاربة )غربا إلى قواعدها وحواضنها القديمة.

* إذلال وقهر المواطنين..!

 

 

 

ولكن قبل( الهروب حكاوي وحكايا)حين مارست المليشيا كل أساليب القهر والإذلال والتعذيب ضد المواطنين الأبرياء وسجنتهم داخل بيوتهم فمات بعضهم تحت (وطأة) الجوع والتعذيب والقهر ، فكانت بيوتهم (مقابر لهم) وزنازين

 

 

 

 

وفي هذه المنطقة (أي الصالحة) سمعنا قصصا لا يستوعبها عقل لاصناف من المآسي فبعض الذين التقيناهم ومنهم المواطن صالح جبريل فقد روى لنا قصة معاناته في سبيل البحث عن مياه وقال إنه ظل يخرج يومياً بعد الفجر يقود (درداقة) وعليها جركانة فارغة ليقطع مسافة لا تقل عن ألخمسة كيلومترات بحثا عن (مياه شرب) حتى يصل إلى تلك البئر التي أصبحت هى ربما المصدر الوحيد للمياه بعد أن خربت المليشيا كل آبار المياه وافسدت بعضها (بالسموم)ورمي الجثث الأمر الذي أدى إلى تفشي وباء الكوليرا بالمنطقة ، في ظل عدم وجود أدنى خدمات الرعاية الصحية والطبية والعلاجية.ولكم ان تتصوروا فداحة الأمر.

 

 

 

* الدخول إلى المنزل..!

وحينما تقاصرت المسافة التي تفصلني من بيتي بمربع (٩) جادين بالصالحة وتسارعت خطاي (شوقاً ولهفة) لدياري التي (حرمت) عنها أكثر من عامين لحظتها تذكرت رائعة الحلنقي وأبو الامين (يسبقنا الشوق قبل العينين )، وما أقسى الحرمان من الدار والأرض..وقبل أن تلج قدماي إلى داخل الدار (سجدت) على ترابها حمدا وشكراً لله ، وهنا تثاقلت خطاي، بل توقفت عند منتصف باحة المنزل ، فتجولت بنظري بخاطر جريح (وشجون أليمة)  اتفحص ملامح منزلي وأماكن جلوسي (ومرقدي) ..ادركت حينها أن الحرب بدلت كل شئ.. الأبواب مشرعة بعد أن نزع (الشفشافة) اقفالها..وتركوا عليها آثار التخريب والتكسير..قطع من الأخشاب والحديد والملابس ، وأشياء أخرى كثيرة متناثرة هنا وهناك ، وحتى شجرة (الليمون) التي اتخذت من الجزء الجنوبي الشرقي من باحة المنزل مقرا لها والتي كانت تجود علينا وعلى الآخرين بثمارها، فقدت هى الأخرى خضرتها وجمالها ونضرتها ، فجفت وشحب لونها ، وفقدت خاصية التناسل ،لان الذين سكنوا هذه الديار من (تتار) المليشيا لم يكرموا البشر ولا إنسانية الإنسان..فمن الطبيعي ألا يكرموا الأشجار..

 

 

 

 

* يقضون حاجتهم في غرفة النوم..!

تجولت داخل المنزل بنظرات مضطربة وحزينه وخطوات مثقلة ، لكن  أكثر ما هالني وادهشني أن هؤلاء (الاوغاد) ، يبدو أنهم لم يميزوا ما بين (غرفة النوم) والحمام لقضاء حاجتهم ، فكانوا بشرا من نوع آخر..

أفرغ المنزل تماماً من محتواه كل اثاثاته واشياءه ومكوناته الخاصة..وحتى مقتنياتي من أوراق ومستندات وبطاقات وشهادات وارشيفي (الصحفي) وكتبي وجدتها متناثرة في العراء وما بين الأزقة وتحت الانقاض وبين أكوام القمامة والحمامات ، وأثناء تجوالي بين فضاءات المنزل وغرفه ، تيقنت أن هؤلاء البشر الذين استباحوا هذه الديار (شرهون) ومدمنون في تعاطي كل أصناف التبغ من سجائر ومخدرات.. فهم تركوا كل الشواهد التي تؤكد ذلك على قارعة الطريق وعلى أسطح الغرف، فكل هذا التخريب كلفني ثلاثة أيام بلياليها في إزالة ونظافة الأوساخ وإعادة ترتيب المنزل من جديد بمعاونة بعض الجيران حتى تعود إليه معالمه القديمة ..هكذا كانت الحكاية..لم تنتهي فصول القصة بعد ولم ينطفئ عود الثقاب ، ولازال تحت الرماد (وميض نار) ولكن حتما نعود ..!

تعليق 1
  1. مدثر يقول

    لا أود أن الومك فكل منا عنده درجات تقييمه خاصه به حسب حالته النفسية وتقبله للأمر لكن بالنسبة لظرف الحرب التي مرت به الولايه ستعود ليس بالبعيد ولا بالصعب او المستحيل عندما ننظر إلى بلدان أخرى تجرعت من كأس الحرب نجدها شبه منسوفه كأنه لم يكن هناك حياة اشكر الجيش السوداني على حكمته في التعامل مع الحرب لتخرج منها بأقل الأضرار حنبنيهو محتاجين نتكاتف ما عاوزين نرجعو زي اول بل احسن لان الوضع الاول هو الوصلنا للمرحله دي الناس تفتح عقولها وتغير طريقة تفكيرها الشكاوي ما بتغير شي محتاجين نفعل اكتر مما نتكلم نشجع اكتر مما نحبط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.