أبوعاقله أماسا يكتب.. الفنان محمد النصري ثروة لا تخص الشمال وحده
كتب أبوعاقله أماسا- الفنان محمد النصري ثروة لا تخص الشمال وحده- الكلمة الرصينة والنغم الجميل تظلان دائماً كما النسمات، تعبر المسافات بلا استئذان، وتقتحمان القلوب بلا تمييز، وتعانقان الأرواح بحب متمرد، لا يعترف بالحدود ولا المألوف، وهذا النصري ليس حكراً على مروي شرق ولا الولاية الشمالية، بل هو قامة من قامات الوطن، وثروة من ثرواته التي نفاخر بها.
بعيداً عن الإعتبارات الأخرى (سياسية، إجتماعية، قبلية، مزاجية، رياضية) فالموسيقى لغة عالمية وبعضنا يستحسن مقطوعات جيمس لاست وستيف ووندر دون أن يسأل عن لونهما وثقافتهما ونسبهما وميولهما السياسية، والملايين يستمعون لفنان ما ويطربون لكلماته وجزالتها دون أن يسألوا من جنسيته.. لذلك إعتبروها لغة الشعوب، وفي ذلك لدي مواقف تخص النصري.. لا تنسى.. ولا أظنها وجدت لتنسى.. فأنا سمعته وأحببته قبل أن أعرفه شخصياً.
الموقف الأول أنني كنت أحمل معي ذاكرة هاتف وأشرطة كاسيت حشدت فيها من حلو الأغاني ومن أفضل التسجيلات، وكنت في رحلة عمل إلى كادقلي في العام 2009، أي قبل (الكتمة) بعامين، ووقتها كانت جنوب كردفان تعيش أحلى أيامها بعد سنوات من اتفاقية نيفاشا وشراكة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية.
وبدأت معظم المناطق هناك تستعيد روحها وذاكرتها، وفي طريق عودتي كان علي أن أدخل إلى عمق الجبال الغربية حيث يقيم والدي بريفي سلارا غربي الدلنج، وفي تلك الرحلة الممتعة كنت أشغل ما حملت من أغنيات، ومنها أغنيات للفنان الحبيب محمد النصري، ولا أذيع سراً أنها كانت تدير الرؤوس وتنتزع الإصغاء، فيسألونني: ده منو بالله؟.. وألح علي أبناء عمومتي بإهدائهم الذاكرة، أو على الأقل نقل تلك الأغنيات ونسخها إلى ذواكرهم.. ففعلت وتكفلت بشراء عدد من الذواكر من سوق الدلنج ونسخت لهم مايريدون.. واستمر ذلك في معظم رحلاتي إلى هناك.
عشقي لأغنيات النصري بدأ من ركن أم در، حيث كانت تنظم حفلات الطمبور، فحضرت مع صديقي وجاري صلاح نصر، حفلات للفنان الباذخ محمد جبارة، وعبدالقيوم الشريف وصديق أحمد وطارق العوض وغيرهم.. إلى أن أصبحت أتسلل وأنساق إلى هناك بحماس وأحضر حتى في غياب صلاح نصر، فقد دلني على الطريق وسبقته إليه، واكتشفت في تلك الفترة الفنان الشاب محمد النصري.. وأي اكتشاف كان؟، وتابعته لدرجة أنني لم أسمع في تلك الفترة لفنان كما استمعت له.
وأصبحت أعرف شعراء الشايقية فرداً فرداً من حميد وحاتم حسن الدابي وسفله والبقية، وامتد الاهتمام بالطمبور والنصري قبل أن نتعرف عليه شخصياً ونكتشف انتماءه للمريخ.
في النصري شخصية (فنان) حرام على مريديه أن يختزلوه في قبيلة، أو يحبسوه في شلة أو حزب أو توجه أو منطقة وولاية، فهو مشروع وطن فشلت السياسة أن تجمع أشتاته، وفشل الساسة أن يكتبوا في حضرته بروتكولاً يجمع القلوب على أقل ما فعلته أغنيته (سوقني معاك يا حمام).
النصري هو الإنسان السوداني كما ينبغي أن يكون، في أصفى وأنقى الدواخل، وأجزل الكلمات وأعذب وأحن الألحان، وأطيب قلب.. والنصري أكبر من التوهان في بحر السياسة المتلاطم.. فغداً تنتهي الحرب ويعود من هجروا ديارهم وتبرم الإتفاقيات أو تقرع طبول الإنتصارات ويعود السلام إلى ربوع البلاد.. والنصري يظل هو النصري.. يغني لغمار الناس ويحمل همومهم ويفرح لما يفرحهم ويتألم لما يؤلمهم… متربعاً على قلوب كل الناس يعبر عنهم ويحمل أحلامهم ويطوف بها ربوع الوطن من أدناه إلى أقصاه.. فله المودة والمحبة بلاحدود.
