كيف أدى تشديد عائلة دقلو قبضتها على السلطة إلى زعزعة الدعم السريع

0

الضعين- حسان الناصر- بين زخات المطر التي تغطي سماء المدينة، في الأسبوع الأول من أغسطس العام الرابع من الحرب، تتوقف سيارات رباعية الدفع تباعًا، تقل رجالًا يعرفون القرى والفرقان التي خرج منها مقاتلو «الدعم السريع»، والعائلات التي دفعت بأبنائها إلى الحرب منذ أبريل 2023.

 

يجلس عبد الرحيم دقلو أمام عُمد قبيلة الرزيقات القادمين من محليات دارفور المختلفة تحيط  الأشجار بمكان الاجتماع، فتحجبه عن أعين الطائرات المسيّرة. لم يكن يريد عبد الرحيم منهم سوى شيء واحد: إعادة الاستنفار.

 

يبدأ العمد بالحديث أولًا عن الجنود الذين أصيبوا في المعارك، والمقاتلين الذين عادوا مبتوري الأطراف. يتحدثون عن أسر فقدت أبناءها، ورجال خرجوا إلى الجبهات ولم يعودوا، ومجتمعات تحمّلت، على مدى أكثر من ثلاث سنوات، كلفة حرب لم تكن تملك قرارها العسكري أو السياسي، حسبما يروي مصدر حضر الاجتماع لـ«مدى مصر».

 

بعد ذلك، ينتقل الحديث إلى الرجال الذين لا تزال القيادة تريد إرسالهم إلى القتال. يقول العمد إنهم غير قادرين على إقناع أبناء القبائل بالاستنفار كما فعلوا في سنوات الحرب الأولى. فقد طال أمد الحرب، وتراكمت الخسائر، وأصبح الأهالي يسألون عن أبنائهم الذين ذهبوا إلى الجبهات، وعن سبل علاج المصابين، وعن المكان الذي تحتله المجتمعات -التي دفعت رجالها- في السلطة التي يجري الحديث عنها.

 

في لحظة من الاجتماع، يخرج أحد العمد عن اللغة المعتادة في اللقاءات الرسمية، ويقول لعبد الرحيم إن القيادة تركت العمد والقبائل وحدهم لمواجهة تبعات الحرب، ثم يطلب منه أن يرافقهم إلى الحلال والفرقان، وأن يخاطب النساء والعائلات بنفسه، لإقناعهم بإرسال أبنائهم إلى القتال.

 

يثير الحديث غضب عبد الرحيم، ويتهم العمد بالتواطؤ مع الجيش، مهددًا بنقلهم إلى سجن «دقريس» في نيالا. لكن يقاطعه عدد منهم ويرفض تهديده، ويقول له أحدهم: «نحنا ما بتهددونا بالسجن». يتدخل الناظر ووكيله لاحتواء الموقف، لكن عبد الرحيم يغادر الضعين غاضبًا.

 

لكن المشكلة أكبر من اجتماع واحد غاضب؛ أكبر من يوم ممطر في الضعين، فذلك الاجتماع لم يكن سوى تتويج لتوتر كان يتصاعد ببطء في صميم المشروع السياسي لـ«الدعم السريع». فمنذ اندلاع الحرب، وبين جبهات القتال المتعاقبة، واجتماعات التخطيط المتواترة، وفي القاعات الإدارية التي أنشأتها «الدعم السريع» على عجل، ظل سؤال واحد يشغل قيادتها: كيف يمكنها أن تفرض تحديًا جللًا على مركز الحكم التاريخي في الخرطوم؟

 

لم يكن ممكنًا التفكير في هذا السؤال بوصفه تحديًا عسكريًا محضًا، فهو بالنسبة لقادة «الدعم السريع» سؤال شامل يستلزم إعادة صياغة كاملة للعلاقات الاجتماعية وتجاوزًا للنموذج التاريخي لحركة التمرد القادمة من هوامش الدولة، ولتحقيق مثل هذا الطموح، كان لا بد من دفع مستمر نحو مركزية أكبر فأكبر للسلطة، بحسب مصادر داخل قيادة «الدعم السريع» ومستشارين سابقين لها تحدثوا لـ«مدى مصر» على مدى الأشهر الستة الماضية.

 

برز مساران من رحم التشابك الذي أنتجه استمرار الحرب: الأول يمثّله عبد الرحيم دقلو، وهو المسار العسكري، القائم على الإيمان بأن الإجابة تأتي مع هدير محركات «الكروزر»، وأن القوة العسكرية تفرض شروطها بنفسها. فهو الرجل الذي استنفر المقاتلين من كل حدب وصوب، والذي نجحت استراتيجيته في ضمان النفوذ السياسي لقوات الدعم السريع.

 

أما المسار الآخر فيقوم على ضرورة بناء سلطة مدنية موازية، تمتلك من القدرة السياسية ما يكفي لممارسة ضغط تفاوضي وفرض شروطها، ويمثله حميدتي، الأخ الأصغر والأكثر موثوقية بين إخوة آل دقلو في قيادة القوات. فهو عرّاب مشروع «الدعم السريع»، منذ كانوا «جوالة» في بوادي نيالا، يأكلون المناصيص في ظل «الكروزرات» بأموال البشير.

 

لكن إن كانت المركزية قادرة على إنقاذ المشروع، فإنها قادرة أيضًا على تقويضه.

 

فمع كل شهر يمضي، تعيد الدولة «المتمردين» إلى ظلها المقدس، ما بين انشقاقات عسكرية هنا وأخرى سياسية هناك، تثبت فشل محاولة «الدعم السريع» فرض المركزية. وهي المركزية ذاتها التي خرج حميدتي على الدولة بسببها، حين رسم لنفسه صورة ابن الهامش في مواجهة المركز، ويحاول الآن استعادتها في شكل مشروع عاصمته نيالا. وآخر في الميدان لم ينجح في استنفار مقاتليه أو حتى ضمان بقاء من ظَلّ منهم. وبين غرف الاجتماعات والميدان، تتشكل أنوية انقسامات فتيلية في خلايا الجسد العسكري والسياسي لحرب السودان الصعبة. الحرب التي دشّنت حريق البلاد الكبير.

بدأت بذور مشروع «الدعم السريع» تنبت منذ الأيام الأولى للحرب. ففي اجتماعاتها المغلقة خلال النصف الثاني من 2023، بدأ مصطلح يتردد بين القادة: «المنظومة السيادية».

 

مستشار سياسي سابق شارك في اجتماعات التخطيط خلال الأشهر الأولى للحرب يتذكرها بوصفها جزءًا من «تحول ذهني» داخل القيادة. فحتى تلك اللحظة لم يكن هناك متسع كبير للتفكير في ما يتجاوز القتال، وكانت الاجتماعات تدور حول تأمين إمدادات مقاتلي «الدعم السريع»، لضمان استمرار معاركها. لكن مع سقوط عواصم دارفور واحدة تلو الأخرى في يد القوات، بدأت النقاشات تتجه نحو تصوّر شكل السلطة في الأراضي التي باتت تسيطر عليها.

 

وعن إحدى الخرائط التي استُخدمت في تلك الاجتماعات، يقول المستشار إن الحدود بين المناطق توقفت عن كونها خطوطًا تحدد اتجاه العمليات، وتحوّلت إلى أسئلة حول من يستطيع أن يُبقي السلطة قائمة بعد أن تتجاوز خطوط الجبهة تلك المناطق. وكانت «المنظومة السيادية»، بحسب المستشار، تصوّرًا يجمع الإدارة والاقتصاد وصنع القرار السياسي والعلاقات الخارجية تحت مركز واحد.

 

لكن التوسع ذاته الذي رفع سقف الطموح في بناء إدارة للمشروع كان يعني أيضًا أن الغالبية الساحقة من الموارد لا تزال موجَّهة إلى القتال، وبالتالي فإن أي حلم بمنظومة دولة كاملة كان لا بد أن يُؤجل.

 

يقول المستشار السابق إن «السيطرة على الأرض كانت أسرع من القدرة على إدارتها»، وصارت الفجوة بين الاثنين محورًا دائمًا وعاصفًا للنقاش في الاجتماعات المغلقة.

 

ومع ذلك، كان لدى «الدعم السريع» وسائل لتثبيت مناطقها لا تعتمد على منظومة إدارية مكتملة، فقوتها في دارفور بُنيت عبر قادة ميدانيين وشبكات محلية ربطت المجموعة بالمجتمعات، وهي علاقات سمحت لها بالتجنيد والاحتفاظ بالأرض.

 

حين خطت «الدعم السريع» خطوتها خارج دارفور، سعت إلى تكرار النموذج ذاته، أي البحث عن وسطاء محليين، وفهم من يملك النفوذ، وفتح قنوات مع قادة المجتمعات، وتحويل المكاسب العسكرية إلى حضور على الأرض قادر على الثبات، بحسب المستشار السابق.

 

كانت ولاية الجزيرة أول اختبار لما إذا كانت الطريقة التي بنى بها آل دقلو نفوذهم ومارسوه في دارفور يمكن أن تنجح خارجها. وكان أبو عاقلة كيكل أحد القادة الذين حاولت «الدعم السريع» تحقيق تلك النقلة عبرهم.

 

كان لكيكل قاعدة اجتماعية قوية في شرق الجزيرة، وكان يقود قوات محلية -«قوات درع السودان» التي أسسها عام 2022- تعرف المنطقة معرفة وثيقة، وارتبط حضوره العام بسهل البطانة وشرق السودان، وكان له حضور في الفضاء الأهلي بالمنطقة.

 

في أغسطس 2023، خرج كيكل معلنًا مبايعته لحميدتي، وانضمام «درع السودان» إلى «الدعم السريع»، قائلًا إن هذه الخطوة تأتي «من أجل الدعم لحقوق المهمشين». وما رافق انضمام المجموعة كان علاقات نُسجت قبل الحرب، ومعرفة بالتضاريس الاجتماعية والجغرافية التي عملت فيها قواته لاحقًا.

 

وبعد أربعة أشهر، سقطت ود مدني، عاصمة الجزيرة، في يد «الدعم السريع»، وكان كيكل عنصرًا محوريًا في السيطرة عليها.

 

بحسب ثلاثة من سكان شرق الجزيرة، استخدم كيكل مكانته الاجتماعية القوية في المنطقة لتجنيد مقاتلين من المجتمعات المحلية والقبائل العربية، فمعرفة القائد المسبقة بالمجتمع تسهل الوصول إلى المقاتلين، على خلاف قائد يصل عبر التسلسل القيادي فحسب إلى منطقة لا يعرفها. كان كيكل يعرف الشخصيات ذات الثقل الاجتماعي، والعائلات ذات النفوذ، بل وحتى الخصومات التي قد تعرقل عمليات التحشيد والانتشار.

 

بعد سقوط ود مدني في ديسمبر، شاركت وحدات كيكل في التقدم عبر الجزيرة، ما أدخل مساحات واسعة من الولاية تحت سيطرة «الدعم السريع».

 

لكن مع تصاعد الاتهامات بارتكاب «الدعم السريع» وقوات كيكل انتهاكات واسعة، بدأت القيادة تفصل بين المسؤوليات العسكرية والإدارية في الولاية، بحسب مصدر ميداني سابق في الجزيرة.

 

وفي مارس 2024، أسّست قوات الدعم السريع إدارة مدنية بقيادة شخصيات من أبناء الجزيرة تنتمي إلى قوى سياسية موالية لـها، قُدِّمت بوصفها استجابة للفراغ الأمني والإداري وسبيلًا «لحماية المدنيين».

 

أتاح هذا الترتيب الجديد وسيلة لإدارة التبعات المتنامية للحملة العسكرية، فـ«كلما ارتفعت الكلفة السياسية والحقوقية لملف ولاية الجزيرة، أصبح وجود قيادة محلية تتحمل الواجهة أكثر فائدة ونفعًا بالنسبة للمركز القيادي» حسبما يوضح المصدر الميداني السابق.

 

وهكذا، ازدادت فائدة كيكل عسكريًا وسياسيًا أكثر فأكثر، وانتقل نفوذه معه إلى الجبهة التالية، فتحركت قواته نحو ولاية سنار، وشاركت في التقدم صوب عاصمتها سنجة في منتصف عام 2024، ما وسّع حضوره إلى ساحة قتال جديدة، وأضاف إلى شبكته مزيدًا من الرجال والعلاقات والمعرفة المحلية.

 

بشكل ما، نجحت التجربة، فكيكل فعل بالضبط ما كان مطلوبًا. لكن مشروع آل دقلو كان يسعى إلى أمرين في آن واحد: التوسع خارج دارفور، والحفاظ في الوقت ذاته على مركزية بنيته العسكرية والسياسية، بحسب مسؤول سابق في قطاع العمليات بـ«الدعم السريع». والقائد القادر على استنساخ نموذج دارفور بمفرده، أينما حل، كان يرضي الطموح الأول ويقوّض الثاني.

 

يقول المسؤول السابق إن هذا الأمر أثار حذرًا شديدًا وقلقًا داخل التنظيم، موضحًا: «كانت الحرب تُنتج باستمرار مراكز نفوذ وقوة جديدة»، فقوات الدعم السريع احتاجت إلى قادة مثل كيكل لأنهم قادرون على فعل ما لا يستطيع المركز عمله عن بُعد، لكن كلما طال أمد نجاحهم، ازداد امتلاكهم لنفوذ خاص بهم.

 

ثم جاء مقتل عبد الرحمن البيشي في يوليو 2024 ليشكل نقطة تحوّل.

 

برز البيشي بوصفه أحد أبرز قادة «الدعم السريع» نفوذًا في سنار والنيل الأزرق. وبعد وصول معلومات استخبارية عن تحركاته إلى الجيش، استهدفته طائرات الجيش الحربية، إلى جانب مئات المقاتلين الذين كانوا معه، بحسب مصدر عسكري تحدث إلى «مدى مصر» آنذاك.

 

يقول مسؤول العمليات السابق إن روايات داخلية ربطت مقتله بتحركات ومعلومات تتصل بوحدات محسوبة على كيكل، ما غذّى شكوكًا داخل القيادة بشأن تسرّب المعلومات وتضارب الولاءات.

 

وبعد أشهر قليلة، انشق كيكل عن «الدعم السريع»، وغادر معه مئات من قواته.

 

جاء الانشقاق بعد عشرة أشهر من سقوط ود مدني، وفي فترة كانت الولاية تحولت خلالها من جبهة عسكرية جديدة إلى فضاء كانت «الدعم السريع» تحاول فيه ترسيخ سيطرة دائمة.

 

وبانشقاق كيكل، فقدت «الدعم السريع» قائدًا يعرف قواتها من الداخل، ويفهم الشبكات المحلية التي اعتمدت عليها في التحرك والتجنيد وتأمين الإمدادات. وفي المقابل، صار يُنظر إلى سكان الجزيرة بوصفهم مصدر اصطفاف محتمل مع كيكل.

 

وسرعان ما تحول انهيار التحالف بين «الدعم السريع» وكيكل إلى صراع، وشنت الأولى موجة من العنف الانتقامي ضد المجتمعات المرتبطة بكيكل. وفي الداخل، قيّد التنظيم تداول المعلومات الحساسة، وقلّص دائرة الحاضرين في الاجتماعات المفصلية، وركّز القرارات الكبرى في يد عدد أقل من الأشخاص.

بينما ثبت أن الاحتفاظ بالأرض خارج دارفور ليس بالأمر السهل، كانت عواصم الولايات داخلها تساقطت واحدة تلو الأخرى، وعزّزت «الدعم السريع» سيطرتها تدريجيًا على كامل الإقليم.

 

بحلول عام 2024، لم تبق سوى عاصمة دارفورية واحدة خارج سيطرة «الدعم السريع»: الفاشر. على مدار 18 شهرًا، فرضت قواتها حصارًا على المدينة التي كان يسيطر عليها الجيش والحركات المسلحة الدارفورية المتحالفة معه -الفجوة الأخيرة في السيطرة العسكرية على كامل الإقليم.

 

لكن أهمية الفاشر لم تكن فقط في كونها آخر مدينة صامدة، بل في كونها مكانًا يمكن أن يستمر فيه واقع سياسي آخر في دارفور.

 

ظلت المدينة لعقود المركز الإداري للإقليم، تربط بين مؤسسات الدولة والإدارات الأهلية والحركات المسلحة والمجتمعات التي شكّلتها عقود من الحروب. والحركات التي دافعت عن الفاشر أمضت سنوات بين القتال والتفاوض من أجل موقع في النظام السياسي السوداني وفي الترتيبات السياسية الخاصة بدارفور.

 

في حسابات الحركات، تنبع أهمية الفاشر من موقعها بوصفها «المدينة التي تختزل فكرة دارفور نفسها، سياسيًا وإداريًا واجتماعيًا»، بحسب شخصية عملت سابقًا ضمن الدائرة السياسية والاستشارية لحاكم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي. وطالما بقيت المدينة خارج سيطرة «الدعم السريع»، ظلت ترتيبات ما بعد الحرب في دارفور تحمل فرصة للتفاوض عبر المؤسسات والفضاء السياسي الذي أمضت الحركات عقودًا في بنائه، بدلًا من أن يحددها من يسيطر ميدانيًا على الإقليم، بحسب قوله.

 

وكان ذلك الاحتمال بالذات ما أراد عبد رحيم غلق أبوابه. يقول مصدر عمل في المكتب الاستشاري لـ«الدعم السريع» في نيروبي خلال الحصار إن وجود الجيش والحركات المسلحة في الفاشر كان يتيح، من منظور عبد الرحيم، للقوى المعارضة لترتيبات «الدعم السريع» في دارفور أن تلتف حولها وتُبقي على نظام سياسي واجتماعي بديل. السيطرة عليها لم تكن مجرد كسر لآخر خط دفاع للجيش في الإقليم، بل كانت، بحسب المصدر، محاولة لمنع سلطة منافسة من التشكّل إلى جانب السلطة التي كانت «الدعم السريع» تبنيها.

 

في أوساط «الدعم السريع»، بحسب المصدر، كان يُشار إلى هذا الهدف بوصفه «إعادة تشكيل شروط الحكم»، فقوات الدعم السريع نشأت خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة ومؤسسات الدولة المركزية، وكان عبد رحيم يسعى إلى تغيير الشروط التي تحدد السلطة ذاتها، بحيث لا تبقى مؤسسات الخرطوم الطريق الوحيد إلى الشرعية والنفوذ، وبحيث لا تظل دارفور تسعى إلى حصة من السلطة من المركز، بل تصبح هي نفسها مركزًا قادرًا على إنتاج السلطة، بحسب المصدر.

 

غير أن الفاشر لم تسقط سريعًا، وشكّل ذلك جملة من المشكلات أمام هدف «الدعم السريع».

 

فمن منظور عسكري بحت، خلق امتداد الحصار على مدى 18 شهرًا ضغطًا على خطوط إمدادها. لكن المشكلة الحقيقية كانت أن المهام اللوجستية المعقدة اللازمة لإدامة حصار طويل كهذا فتحت ثغرة سمحت للرتب الوسيطة بأن تبدأ في المشاركة بصنع القرار.

 

يقول مسؤول تدريب سابق في قوات الدعم السريع: «كل أسبوع إضافي يمر دون حسم كان يخلق واقعًا جديدًا مربكًا للقيادة، فاحتياجات الذخيرة تضاعفت بشكل مرعب، والوقود يحتاج إلى خطوط إمداد بديلة أكثر أمنًا، والوحدات المقاتلة تحتاج إلى إعادة تنظيم وضخ دماء مستمر، والقرار العسكري أصبح مرتبطًا بتفاصيل ميدانية دقيقة لا يمكن إدارتها أو توجيهها عن بُعد».

 

بدأ القادة والوحدات المرابطة على المحاور يتخذون بأنفسهم مزيدًا من القرارات، فضباط الإمداد الميداني هم من يحددون متى وكم يمكن نقله، وضباط الاتصالات يتحكمون في تدفق المعلومات، وفرق الاستطلاع والطائرات المسيّرة صارت جزءًا من قرارات العمل اليومي، وغرف العمليات المحيطة بجبهة القتال كانت تتحول شيئًا فشيئًا إلى مراكز قرار قائمة بذاتها، بحسب مسؤول التدريب السابق.

 

يقول المسؤول في مكتب عمليات «الدعم السريع» إن هذا التحوّل كان يُراقَب بريبة داخل القيادة المركزية. «قبل معركة الفاشر، كانت الرتبة العسكرية والقرب من آل دقلو يحددان الموقع والنفوذ داخل المؤسسة. وبعد أشهر الحصار الطويلة، أصبحت الخبرة الميدانية والصمود في المحاور هما ما يصنعان المكانة الجديدة للقائد. فالشخص الذي يدير محورًا معقدًا ومشتعلًا لعدة أشهر أصبح طرفًا قويًا يشارك في إنتاج وصياغة القرار العسكري».

 

حين سقطت الفاشر أخيرًا، أكملت «الدعم السريع» سيطرتها العسكرية على دارفور، سيطرة من شأنها أن تمنحها أمرًا واقعًا تفرضه الأرض، وأن تحول «الدعم السريع» من ميليشيا ذات معاقل إلى حاكم لإقليم بأكمله. وكان ذلك هو السبب الذي جعل عبد الرحيم يرفض التخلي عن الفاشر، حتى مع تصاعد كلفتها العسكرية والإنسانية، بحسب المصدر الذي عمل في المكتب الاستشاري.

 

لكن الحصار الطويل أظهر أن الحرب الممتدة قادرة على إنتاج قادة تتشكّل سلطتهم في ساحة المعركة، لا عبر تفويض من المركز. وبالنسبة لمن حملوا عبء المعركة، جاء النصر محمّلًا بتوقعات: موقع في البنية العسكرية والسياسية التي ستحكم الأرض التي ساعدوا على انتزاعها. غير أن القيادة، بدلًا من منحهم ذلك، سحبت التنظيم أكثر نحو المركز.

 

ومن بين من طالهم هذا التحوّل بعد سقوط الفاشر النور آدم «قبة»، أحد أهم قادة «الدعم السريع» في شمال دارفور والشخصية المحورية في معركة الفاشر، إذ أسهم في تخطيط العمليات وتوجيهها، إلى جانب دوره المهم في التحشيد الذي استمده من مكانته بين قبيلة المحاميد وعلاقاته بزعماء القبائل في أنحاء الإقليم وعبر حدوده. لكن بعد سقوط الفاشر، عُيّن جدو حمدان «أبو شوك»، وهو قائد من قبيلة المهارية التابعة للرزيقات، والتي ينتمي إليها آل دقلو، لقيادة شمال دارفور، ما أثار غضب قبة، ومن هناك تعمّق الشرخ مع قيادة «الدعم السريع»، حسبما قال مصدر مقرب من قبة لـ«مدى مصر» سابقًا.

 

بوصفه شخصية بارزة من المحاميد في شمال دارفور وقائدًا لتشكيل مسلح في دارفور، كان لدى قبّة علاقات بزعماء وقيادات محلية حملها معه إلى الحرب، وبشكل ما، مثّل النمط البراجماتي في ممارسة السياسة الذي كانت «الدعم السريع» تنوي تجاوزه بالسيطرة على الفاشر.

 

في ديسمبر 2023، جلس قبّة في منزل الملك آدم نور، رئيس إدارة دار بري ورئيس مكتب الإدارة الأهلية في محلية كتم في شمال دارفور، إلى جانب عدد من رموز الإدارة الأهلية وأعيان محليين وشباب، بحسب مسؤول سابق في «الدعم السريع» وقريب لقبة عمل معه خلال حصار الفاشر ورافقه. وكانت «الدعم السريع» في تلك الفترة القوة العسكرية المهيمنة في محيط كتم.

 

وفي ذلك الاجتماع، ناقش قائد له قدم في المؤسسة العسكرية وأخرى في البنى التقليدية للمجتمع شؤون المحلية.

 

وبحسب قريبه، كان قبّة يتنقّل بين اجتماعات مع الأعيان وجولات في القرى المحيطة بكتم.

 

ففي كساب الحلة، تحدث إلى الأهالي عن أوضاع المعيشة والأمن، وطلب منهم التعاون مع قواته في مكافحة قطّاع الطرق والتهريب، وربط نجاح القوة الأمنية بالمعلومات التي يتلقاها من السكان. وفي عبد الشكور، وجّه قواته لتأمين الطرق وحماية السكان، ودعا الأهالي إلى التعاون مع القوة في «حسم الظواهر السالبة»، بحسب قريبه.

 

وكان قبة يحضر امتحانات الشهادة السودانية في كتم إلى جانب لجنة أمن شمال دارفور، حيث يقول قريبه إنه كان يتحدث عن توفير الإعاشة والتأمين للطلاب. وفي فعالية رياضية بمدينة كتم، تحدث عن دور القوات في حماية المدنيين ودعم الشباب.

 

وعندما كان يحين موسم الزراعة، كانت قواته تُدخل نفسها في المسألة الحساسة المتعلقة بتمرير مواشي الرعاة عبر حقول المزارعين في نهاية الحصاد، حتى وإن ظلت الإدارة الأهلية محتفظة بموقعها الرسمي في الترتيب، بحسب قريب قبّة.

 

قائد عسكري يحضر عند الطريق، وقاعة الامتحان، والملعب، يجعل حضوره متصلًا بكل خيط من خيوط الحياة العامة، والمكانة الاجتماعية ذاتها التي أتاحت لقبّة حشد الرجال جعلته أيضًا أكثر قدرة على التأثير في المجتمع.

 

وإذا كان قبّة أظهر إلى أي مدى يمكن أن تمتد المكانة المحلية لقائد واحد، فإن موسى هلال كشف كيف تبدو المكانة ذاتها حين تتجسّد على مستوى قبيلة بأكملها في أنحاء دارفور. فهلال، زعيم قبيلة المحاميد المتحالف مع الجيش ورئيس حركة تحالف قوى الصحوة الثورية المتمردة، كان يملك شبكة بُنيت على مدى عقود ومسؤولة أمامه هو؛ شبكة لم تستوعبها «الدعم السريع» يومًا بقدر ما استعارتها.

 

وهذا ما جعل من هلال شخصية قادرة على عمل ما لم يكن بمقدور عبد الرحيم فعله: الوصول مباشرة إلى الشبكات القبلية في أنحاء دارفور، ومخاطبة المقاتلين لا بوصفه قائدهم العسكري، بل بوصفه رأس ناسهم. في منتصف فبراير الماضي، وجّه نداء إلى مدنيي ومقاتلي المحاميد في «الدعم السريع»، واصفًا إياهم بـ«المغرر بهم»، وداعيًا القبيلة إلى الالتفاف حول الجيش. وأعلن عزمه عقد مؤتمر لتوحيد المحاميد سياسيًا وعسكريًا تحت مظلة حركته -مشروع، بحسب قوله، سينتج في نهاية المطاف حزبًا سياسيًا لا يقتصر على المحاميد وحدهم.

 

كان ذلك نوعًا تاريخيًا من الاستقطاب، وهو ما كان عبد الرحيم يسعى إلى إغلاق الباب أمامه. وإذا به وجد نفسه أمام شبكة منافسة، فحاول أن يحرقها عن بكرة أبيها.

 

أمر عبد الرحيم بشن هجوم على معقل هلال في مستريحة بشمال دارفور، وحين اقتُحمت المنطقة بعد أيام من خطاب هلال، غادر قبّة صفوف «الدعم السريع» مع عدد كبير من قواته متجهًا نحو مناطق سيطرة الجيش.

 

ما بدأ خلافًا حول موقع قبّة في هيكلة «الدعم السريع» ما بعد الفاشر -بعد أن تم تجاوزه لقيادة شمال دارفور رغم قيادته الحصار الذي أسقطها- انفتح على شيء أقدم بكثير: شبكة سلطة قبلية كانت القيادة المركزية تستخدمها متى احتاجت رجالًا، لكنها لم تستطع أن تطويها ضمن تسلسلها القيادي الخاص.

 

وفي محاولة لتدبّر توازن هش بين الولاءات العسكرية والانتماءات القبلية في أعقاب انشقاق قبّة، جاء خيار حميدتي منعطفًا آخر نحو المركزية. فعقد اجتماعات مطوّلة في نيالا في مايو الماضي مع قادة القطاعات والمسؤولين الأمنيين، أُعيد بعدها هيكلة بنية القيادة، وقُيّدت صلاحيات القادة الميدانيين وحركتهم تقييدًا كبيرًا. وتركّزت قرارات نشر القوات والتمويل واللوجستيات في لجنة من خمسة أعضاء مرتبطة مباشرة بقيادة آل دقلو، بحسب قائد في لواء الدرع الأول التابع لـ«الدعم السريع» تحدث لـ«مدى مصر» آنذاك.

 

كانت إعادة الهيكلة تهدف إلى منع مزيد من الانشقاقات في دارفور ما بعد الفاشر. لكن، بدلًا من ذلك، انشق قائد محاميدي آخر، هو علي رزق الله «سافانا»، تبعته موجات من انشقاقات المحاميد عن «الدعم السريع».

كان عبد الرحيم يعي أن السيطرة على الأرض تُغيّر أيضًا من يقطنها والعلاقات القائمة بينهم، بحسب المصدر الذي عمل في المكتب الاستشاري لـ«الدعم السريع» في نيروبي. فالنزوح غيّر أماكن تمركز المجتمعات، والتحولات في السيطرة على الطرق والأسواق غيّرت طريقة تنقل الناس وتبادلهم التجاري. ومع الوقت، أنتجت هذه التحولات واقعًا اجتماعيًا قد يبدو مختلفًا تمامًا عما كان قائمًا قبل الحرب.

 

يصف المصدر هذا بـ«إعادة التركيبة». والمصطلح، كما يقول، لا يشير بالضرورة إلى خطة مكتوبة لإعادة توزيع السكان، بل يصف ما يمكن أن ينتجه القتال عمليًا. وبالنسبة لعبد الرحيم، كانت الدلالة السياسية واضحة: من يسيطر على هذا التكوين الاجتماعي الجديد سيمتلك نفوذًا أكبر على السلطة التي ستنشأ بعد الحرب، بحسب ما يضيفه المصدر.

 

لكن محاولة الحكم على هذا الواقع الاجتماعي الذي أنتجته الحرب، واستغلاله، لم تسِر تمامًا وفق الخطة، والتحولات التي أطلقتها قد تبلغ نقطة انهيار تعجّل الانشقاقات من الوصول إليها أكثر فأكثر. فحين يغيّر قائد بارز كان يومًا وسيطًا موثوقًا الجانب الذي يواليه، تراقب المجتمعات، و«يبدأ السؤال: لماذا خرج؟ ومن معه؟ ومن بقي معه؟»، بحسب ما يقوله أحد أعيان الإدارة الأهلية في شمال دارفور.

 

الانشقاق يمكن أن ينتقل عبر المجالس والقرى، ليتحول إلى سؤال عن الطلب القادم على المقاتلين. ويقول العيّن إن «الرجل الذي كان يطلب من القبيلة مقاتلين باسم جهة، إذا أصبح يقاتل لجهة ثانية، الناس تبدأ تعيد حساباتها».

 

في دارفور، كانت التعبئة على الدوام مساومة؛ صفقة. فالطلبات من القيادة العسكرية تمر عبر القادة المحليين، الذين يعملون بدورهم عبر العمد والشيوخ والنُظّار، ومن هناك عبر العائلات والقرى والقبائل. فالقائد المحلي هو حلقة الوصل بالقيادة العسكرية، والزعيم القبلي هو من يستطيع أن يتحدث باسم المجتمع ويتفاوض على ما يمكن أن يقدمه كل طرف، إذ يُحشد المقاتلون مقابل شيء ما، حماية، موارد، مكانة، مال.

 

لم تكن العلاقة بين هذين الوسيطين بالضرورة علاقة توافق، فالزعماء الأهليون قد يتعرضون لضغط أو ترهيب يدفعهم إلى الانصياع. وحتى إن لم يكن هناك إكراه، يظل هناك خطر الولاء الذي يتوجب أخذه في الاعتبار، إذ إن زعيمًا مرتبطًا بـ«الدعم السريع» قد يجد نفسه مكشوفًا إذا تغيّر ميزان القوى. وكما يصف أحد أعضاء الإدارة الأهلية الأمر، كان على القادة الأهليين أن «يظل عندهم باب مفتوح مع أكثر من جهة».

 

زادت الحرب من الضغوط على هذا النظام، فالمجتمعات كانت تتعامل مع الاختطاف والنزوح والنزاعات على الموارد وتعطّل الأسواق والطرق، وكان لا بد للصفقة أن تتسع لتغطي التكاليف التي تفرضها الحرب عليها.

 

يقول رئيس الإدارة الأهلية في محلية شطايا بجنوب دارفور، أبو القاسم عمر قندول: «نحن بقينا نتعامل مع قضايا الناس في الأرض»، قضايا، كما يقول، جرّتهم إلى ما هو أبعد بكثير من المسؤوليات المعروفة للإدارة الأهلية.

 

وكلما طال أمد القتال، ازدادت أهمية مكاسب التعاون، وازدادت المجتمعات تدقيقًا في ما إذا كان القادة يفون بوعودهم.

 

يخسر القائد الذي له جذور في المجتمع شيئًا أكبر حين يسيئ استخدام سلطته أو يُخلف وعده، فسمعته مرتبطة بالعائلات، وأبناؤه هو وأبناء من يجندهم يعيشون في المكان ذاته. وهكذا يمكن لرأس المال الاجتماعي أن يتحول إلى قيد على السلوك العسكري.

 

أما القائد الميداني الذي يعتمد أساسًا على علاقته بالقيادة العليا فأمره مختلف، إذ تنبع شرعيته من المركز، من الرتبة والسلاح والسيطرة على مجموعة من المقاتلين، لا من مكانته في المجتمع. وكلما طال أمد الحرب، ازداد اتكاء هذا القائد على القوة والإجبار لتعويض علاقته المتآكلة مع المجتمع.

 

في شنقل طوباي بشمال دارفور، يصف المستشار السابق احتجاز عشرات من النازحين ونقلهم إلى نيالا للتدريب. وفي نيالا نفسها، طُورد شبان في الأسواق وأماكن عامة أخرى للتجنيد القسري.

 

تُغيّر هذه الممارسات شروط العلاقة، فمن يتوسطون بين القادة والمجتمعات لا يملكون مجالًا يُذكر للتفاوض حين يُساق المقاتلون بالقوة.

 

والأمر ذاته ينطبق على المدفوعات، إذ كان زعماء المجتمعات يتفاوضون مع القادة على ما سيحصل عليه المقاتلون وما سيُقدَّم لأسرهم، فالأبناء الذين يُرسَلون إلى ساحة القتال تحتاجهم أُسرهم أصلًا في قراهم للزراعة والرعي، وازدادت هذه الحاجة مع طول أمد الحرب وتناقص الموارد المتاحة للأسر والمجتمعات. وحين لم تصل المدفوعات الموعودة، واجه بعض زعماء المجتمعات غضبًا متصاعدًا من الأسر التي طلبوا منها تقديم أبنائها للقتال، بحسب المستشار السابق. ويتحول ذلك الغضب، وفقًا له، إلى مقاومة التحشيد ذاته.

 

كما تتوقع المجتمعات مُقابلًا على المستوى الجماعي: حماية أراضي القبيلة ريثما يعود النازحون إلى قراهم، ويدًا أعلى وأقوى حين يحين وقت تسوية النزاعات على الأرض.

 

في دارفور، تحتل الحاكورة -أراضي الحيازة القبلية- مكانة تتجاوز بكثير مفهوم ملكية الأرض بمعناها القانوني الضيق، فهي ترتيب اجتماعي يربط المجتمع بأرضه. وحين يطالب الناس بحماية الحاكورة، فإنهم يطالبون في الوقت ذاته بحماية منظومة كاملة من العلاقات، إذ يحتاجون إلى سلطة تعترف بالحق في الأرض ذاته، وتحمي صاحب الحق عند عودته، وتمنع الأضرار عن المحاصيل، وتنظم حركة المواشي، وتفصل في النزاعات، وتحدد التعويضات عند وقوع الخسائر.

 

يقول أحد أعضاء الإدارة الأهلية في جنوب دارفور إن «القيادة العسكرية ترى الأرض مساحة للحركة، بينما يراها المجتمع حقًا وذاكرة وعلاقة بين جماعات»، مضيفًا أن القائد العسكري يمكنه أن ينقل قاعدته في ساعات، بينما قد تحتاج القرية سنوات لإعادة بناء علاقتها بالأرض بعد النزوح.

 

وحينها، تكون الأرض تغيّرت. فقد تجد العائلة العائدة أن آخرين زرعوا حقولها أو رعوا مواشيهم فيها أو استقروا عليها. قد تحمل العائلة وثائق أو شهادات أو ذاكرة جماعية لإثبات حقها، غير أن من وصلوا في غيابها واستخدموا أرضها قد يحملون مطالباتهم الخاصة كذلك.

 

إذن، فحماية العودة تتطلب مؤسسة قادرة على إدارة هذا التشابك من المطالبات المتنافسة.

 

رغم كل إخفاقات الدولة في دارفور، تبقى مؤسساتها معروفة ومألوفة للناس. يقول عضو سابق في الإدارة الأهلية إنه، رغم ضعف مؤسسات الدولة في أثناء الحرب، ظلت حاضرة في ذاكرة المجتمعات في هيئة المحاكم والسجلات والإدارة المدنية والإدارة الأهلية. فالشيخ أو العمدة يحتاج إلى كيان قادر على تسجيل الحقوق، وفض النزاعات، وإدارة عودة النازحين. ويضيف: «بعد انتهاء المعركة، ستبقى الأرض، وسيبقى النزاع، وسيبقى النازح، وستبقى الأسرة التي فقدت ابنها».

 

وبحسب العضو السابق، دفع هذا بعض القادة المحليين إلى النظر لمؤسسات الدولة بوصفها إطارًا يمكن أن يستوعب المجتمع على مدى أطول، حتى حين تكون الدولة نفسها عاجزة عن أداء كل وظائفها.

 

لكن هذا لا يعني أن المجتمعات تختار الدولة تلقائيًا، أو أن قائدًا منشقًا يمكن أن يجرّها معه إلى الضفة الأخرى بشكل تلقائي، بحسب أحد أعيان دارفور، إذ تتوقف خيارات المجتمعات على ميزان القوى، وموقف القادة المحليين، وما إذا كانت السلطة قادرة فعلًا على حماية الناس والوفاء بوعودها.

 

يقول قندول إن الإدارة الأهلية ستستمر في التعامل مع تبعات الحرب أيًا كانت القوة المسيطرة على المنطقة، مضيفًا: «نحنا عندنا ناس عايزين يرجعوا، وعندنا أرض عايزة ترجع لأصحابها، وعندنا أسر فقدت أبناءها، وعندنا مجتمع عايز يعيش».

لم تقتصر الانشقاقات على الجانب العسكري وحده، فداخل «الدعم السريع»، بدأت البنى التي أُقيمت من أجل «المنظومة السيادية»، لحمل سلطتها إلى ما وراء السيطرة العسكرية، تفقد أفرادها.

 

انشق فارس النور، من أقرب المقربين لحميدتي ومستشاره السياسي منذ بداية الحرب، في يونيو الماضي، في وقت كان فيه تحالف «تأسيس» وحكومته المسماة «حكومة السلام» يحاولان تقديم أنفسهم بوصفهم بنية سياسية قادرة على التواصل مع الخارج وإدارة المناطق الخاضعة لنفوذ «الدعم السريع».

 

يقول أحد أعيان الإدارة الأهلية ممن شاركوا في لقاءات «تأسيس» السياسية خلال الفترة الماضية إن «المشروع لما يكون عايز يحكم السودان، محتاج ناس يتكلموا مع المجتمع والسياسيين والدولة الخارجية. فإذا الناس الموجودين في المركز السياسي بدأوا يخرجوا، السؤال بيكون عن قدرة المشروع على الاستمرار، ما عن عدد العربات [القتالية] في الميدان».

 

وبعد شهرين، وصل الشرخ إلى الجانب الإداري، إذ انشق حاكم كردفان في تحالف «تأسيس»، حمد خليفة، الذي كان جزءًا من البنية التي أُريد بها ترجمة سيطرة «الدعم السريع» إلى إدارة خارج دارفور.

 

غير أن كردفان ليست مجرد منطقة أخرى حاولت «الدعم السريع» ترسيخ وجودها فيها، بل هي المفصل الذي يربط دارفور ببقية السودان، حيث تتقاطع الشبكات العسكرية والاجتماعية العاملة في الإقليمين. فالقادة الذين بنوا نفوذهم في دارفور عملوا في هذا الإقليم كذلك، وكان بالنسبة لـ«الدعم السريع» طريقه للخروج من دارفور وامتدادًا لقوته وسلطته الدارفورية.

 

لذا، «إذا بدأ القادة [ممن انشقوا وانضموا إلى الجيش] يتجهون إلى [كردفان]، ممكن تصبح الجبهة التي يبدأ فيها التراجع الداخلي»، يقول العين من أعيان دارفور.

 

احتمالية أن يعود القتال منحصرًا نحو دارفور تحمل دلالة تتجاوز مجرد خسارة الأرض. يقول العين من أعيان الإدارة الأهلية في شمال دارفور: «لما تطول الحرب، الناس تبدأ تشوف الحركة من خلال المنطقة اللي بتقاتل فيها»، موضحًا أن استمرار القتال داخل الإقليم يجعل المشروع الوطني أكثر عرضة للانكماش إلى مطالب الحماية والسيطرة المحلية.

 

كانت دارفور قد لقّنت هذا الدرس من قبل، فالحركات المسلحة التي نشأت فيها مطلع الألفية بدأت بوصفها مشروعات سياسية أوسع، لكنها تشظّت على مر السنين، عبر خلافات حول القيادة والمواقف التفاوضية والوصول إلى الموارد والسلطة. وما كان يُقدَّم بوصفه مشروعات جامعة تتحدث عن تهميش الإقليم وإعادة توزيع السلطة والثروة، صار فصائل تُعرف بدلًا من ذلك بأسماء قادتها الأفراد ومعاقلهم وقواعدهم المحلية.

 

كان حميدتي قد دخل الحرب وهو مدرك إلى أين أفضى ذلك المسار بمن سبقوه، لهذا صارت جهود توسيع «الدعم السريع» خارج الإقليم جزءًا من محاولة أطول لتحويله من تشكيل ذي جذور إقليمية إلى قوة وطنية، بحسب عيّن شمال دارفور. فالتوسع في الخرطوم، وبناء شبكةٍ اقتصادية، والانخراط في ترتيبات الحكم الانتقالي، وتوسيع العلاقات الإقليمية، وأخيرًا تأسيس جبهة سياسية كـ«تأسيس»، كلها يمكن قراءتها بوصفها محاولات لكسر القيد الجغرافي الذي ارتبط بقوات الدعم السريع منذ نشأتها، يقول.

 

إذا دُفعت «الدعم السريع» إلى داخل دارفور من جديد، فقد يمنحها ذلك قدرة على الاستمرار عسكريًا، بحسب العين من أعيان الإدارة الأهلية في دارفور، لكنه سيُضعف قدرتها على تقديم نفسها بديلًا وطنيًا. فيتحول الإقليم من قاعدة انطلاق إلى حدود للمشروع؛ المكان الذي يمكن لـ«الدعم السريع» أن تحتمي فيه، والفضاء الذي قد يصعب عليها تجاوزه سياسيًا واجتماعيًا، بحسب ما يضيفه.

 

«الخوف الحقيقي ما إن الدعم السريع تخسر مدينة؛ الخوف إنها تخسر الفكرة اللي خلت الناس تصدق إنها قادرة تحكم السودان»، يقول العين من أعيان دارفور.

المصدر

storage.googleapis.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.