الصحفي عبدالله عجيب يروي تفاصيل مثيرة عن أيام اعتقاله في سجن سوبا قبل تحرير الخرطوم

0

متابعات- الزاوية نت- كشف الصحفي عبدالله عجيب تفاصيل اعتقاله في سوبا بالخرطوم أيام سيطرة المليشيا على العاصمة قبل ان يتمكن الجيش السوداني من طردها، وكتب تحت عنوان “في المعتقل.. أسرى الجيش يفرضون نظامهم” قائلا: سجن سوبا كان آخر محطات الاعتقال الذي تعرضت له من قبل مليشيا الدعم السريع؛ بعد ترحيلنا إليه من معتقل البدروم بالرياض الذي هو أشبه بالقبر الذي تدخل إليه حياً ثم يهال عليك التراب “و انت وحظك”.

 

توقعنا أن يكون الوضع في السجن أفضل على الأقل سنمارس من جديد عادة الشهيق وسنجد الهواء الذي يملأ الرئة المتعبة، سنفارق التكدس ومجاور أكوام النفايات المتراكمة وجرادل الفضلات، كما سنجد الماء للإستحمام، ويمكن ان يعطونا ملابس بدلا من التي بقيت ملتصقة بأجسادنا منذ لحظة الإعتقال.

 

في سجن سوبا ستكون هناك فرصة للنجاة، ويمكن أن يتم اعتبارنا آدميين ويعاد النظر في أمرنا بواسطة من قالوا إنه المستشار القانوني وأشاعوا أنه يكتفي بإصدار عقوبة الحبس لشهر أو إثنين، أما في حالتي فقد كان أمل النجاة منعدما وإن كنت أخادع نفسي بأنه ضعيف، بعد أن تصنيفي “نظامي” مع تدبيج تهم تصل درجتها للإعدام “إفشاء أسرار عسكرية والتعاون مع العدو”، وكما قال المتحري: أي صحفي عندنا مصنف عدو “وأنت بالذات بقطّعك بقطّعك” ولعله قصد قطع عربة الترحيل لمزلقان السكة حديد وصولاً إلى معتقل البدروم أو أنني سأقطع تذكرة سفر إلى الآخرة من داخل هذا القبو القمئ.

 

لم يكن الوضع بأفضل بكثير في السجن، تم حشرنا بالعشرات في عنبر (13) الذي كان مخصصا لأسرى الجيش وبقية القوات النظامية منذ حوالي العام وربع العام، ما لفت نظري أن مجموعة الأسرى (ومعظمهم ضباط صف وفيهم عدد كبير من المساعدين) استطاعوا الاحتفاظ بهويتهم داخل عنبر (13) وفرض نظام لم تستطيع مليشيا الدعم السريع انتزاعه منهم هذا النظام يقوم على الانضباط العسكري وروح الجماعة والالتزام بالتراتبية.

 

كان هناك حكمداراً عاماً للعنبر، يسير شؤونه ويطوع الحياة القاسية داخله بدأ الأمر لي في الأيام الأولى مجرد ترتيب داخلي بين مجموعة من العساكر؛ لكن بعد حوالي يومين او ثلاثة جاءني الحكمدار وأبلغني أنهم تأكدوا من ما أنني لست نظاميا؛ وأنهم سيضعونني ضمن الذين تم حصرهم في لستة المدنيين؛ هذه اللستة سيتم رفعها إلى المشرفين على العنابر، وفي حال اعتمادها سيكون الأمر جيدا بالنسبة لي وإذا لم تعتمد “فسيكون لك شرف أن أكون في صف إخواني الأسرى”.

 

والحمد لله تم اعتماد هذه اللستة بنفس التصنيفات التي تم رفعها، فالدعامة عسكريتهم مدعاة لم ترفع لهم جهلا أو تجعل لهم قدرا، لذلك لا يطيقون عمليات حصر ومعرفة من أسروهم أو اعتقلوهم وعلى ذلك قدر الله أن اصنف مع المدنيين، وهو ما مهد لخروجي لاحقا من هذا الجحيم بفضل من الله.

 

قام الحكمدار بتوزيع المرحلين الجدد على المجموعات التسع المشكلة من قبل، ولكل مجموعة رئيسها الذي يشرف على عمليات استلام حبيبات الأرز التي تأتي إما نيئة او محترقة؛ لا يذهبن جوعاً أو يقمن صلباً؛ لكن يتم توزيعها على أفراد المجموعة على كل حال ورئيس المجموعة كذلك يقوم بتوزيع المهام اليومية مثل جلب المياه ووضع لوائح عدم الإسراف وتوزيع الماء بجرعات معلومة حتى يكفي لليوم التالي.

 

كان لأسرى الجيش نظامهم الخاص، وقواعدهم غير المكتوبة، وتسلسلهم القيادي الذي حافظوا عليه حتى وهم في الأسر كان كل شخص يعرف موقعه، ومن يتحدث باسم المجموعة، وكيف تنظم شؤون العنبر، وكيف تدار الخلافات وتوزع المسؤوليات.

 

البرنامج الوحيد الذي يُشعرنا أننا مازالنا بشراً كان اجتماع لجنة الحكماء كل ليلة بعد صلاة العشاء، وهو أشبه بمحكمة العمد؛ ويحرص جميع المعتقلين على حضور هذا البرنامج وعدم تفويته.

 

كانت اللجنة المكونة من 10 أعضاء وتبت في البلاغات اليومية وتستمع إلى الشكاوي، وتستمع إلى المُبلغ وتستجوب المتهم وتطلب شهادة الشهود، ويقوم أعضاءها بإبداء الرأي، وبعد ذلك يصدر الحكم بتحديد المخطئ والعقوبة التي تتراوح بين الإنذار أو نظافة العنبر لمدة محددة.

 

وجدنا أنفسنا جزءاً من هذا الواقع الجديد فالجنود بحكم خبرتهم وانضباطهم، ساهموا في ضبط إيقاع الحياة داخل العنبر كانوا يتعاملون مع الظروف القاسية باعتبارها وضعاً ينبغي التكيف معه دون الاستسلام لفوضاه.

 

الامر الأكثر أهمية أن هذا الانضباط جعل تدخل عناصر المليشيا في شؤون العنبر في أضيق نطاق؛ ويبدو أن هيبة العسكرية الحقيقية، كانت تدهشهم وتجعلهم يعرفون مدى وضاعتهم وهوانهم على الناس.

 

فرض أبطال الجيش والقوات النظامية، بطريقة مباشرة وغير مباشرة ما يمكن أن نسميه مساحة من الاستقلال الداخلي، وإدارة التفاصيل اليومية وفق نظامهم الخاص.

 

كانت المشاهد اليومية بالغة الدلالة ومن بينها ذلك المشهد الذي ظل عالقا بخاطري فقد تم جمع عدد من النظاميين الاسرى وقام بمخاطبتهم اللواء عيسى بشارة ومجموعته؛ وقد حاولوا في أحاديثهم التقليل من شأن الجيش وقيادته، فانتفض الأسرى في وجههم وطلبوا منهم الكف عما يقولون وأفهموه بعبارات قوية ما معنى الجيش وماذا تمثل لهم العسكرية، حينها لم يملك عيسى بشارة إلا أن يغير وجهة الحديث ويبعث تطمينات كاذبة بأنهم سيبادرون لإطلاق سراحهم رغم عدم وجود اتفاق لتبادل الأسرى.

 

معروف أن أي معتقل في الأصل هو مكان تسلب فيه إرادة الإنسان، وتصبح حياته اليومية خاضعة لمن يملك مفاتيح الأبواب، لكن خلال فترة الاعتقال، قلب النظاميون هذه المعادلة وكأنهم يرددون مع ود الأمين:

مساجينك تغرد في زنازينك..

برغمك نحنا مازلنا

بنكبر بي زلازلنا

بنعشق في سلاسلنا

بنسخر من زنازينك..

وبالنسبة للمدنيين، كان وجود النظاميين تجربة لا تنسى فقد رأينا شموخاً لم تكسره ليالي الأسر الطويلة، وقوة وجلداً منحتنا القدرة على الثبات ومقاومة الظالمين بالصلاة والدعاء عليهم.

 

وقد يكون هذا أحد أهم الدروس التي خرجنا بها من تلك التجربة فالعسكرية تتعدى إصدار الأوامر او محاولة فرض الانضباط في الثكنات او المعارك هي ثقافة راسخة تظل حاضرة حتى عندما يفقد الإنسان سلاحه وحريته وموقعه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.