(10) أيام تضع السودان بين ثلاثة خيارات “العزل والحظر والتسوية”

0

كتب عمار عوض- عشرة أيام… السودان بين العزل والحظر والتسوية- عشرة أيام، وستتضح بعدها الرؤية: إلى أي سودان نحن ذاهبون بعد ثلاثة أعوام ونصف من الحرب والبحث عن وقفها، أو بالأحرى منع تداخلها أو انتقالها مع حروب أخرى، من ليبيا إلى تيغراي.

 

وذلك بعد انتهاء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي شهدت تغيّبًا لرئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش، الذي نقلت الأنباء رفض وفدٍ مقدمته الموافقة على مقترح أمريكي قدمه مسعد بولس، ما قاد إلى تصعيد أكبر من واشنطن بتأخير منحه تأشيرة الدخول، في ظل وجود وفد من تحالف القوى المدنية بقيادة حمدوك، في مقابل وفد ضم حاكم دارفور والخارجية وممثلين من الجيش والقطاع الأمني.

 

الولايات المتحدة التي تقوم بتحركات مكوكية من نيويورك إلى المنطقة وبالعكس، في اتجاه ممارسة أكبر قدر من الضغوط للوصول إلى إطار للتسوية ووقف الحرب، إلى جانب عمل أكبر قدر من التفاهمات لإصدار قرار من مجلس الأمن بتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، وتطبيقه على جميع الأطراف، بما في ذلك الطائرات بدون طيار وتقنيات الاستخدام المزدوج، مع توسيع معايير الإدراج لتشمل العنف الجنسي المرتبط بالنزاع وتعزيز فريق الخبراء.

 

وهما المسعيان اللذان ترفضهما الحكومة السودانية، التي تحمل رفضها للتسوية على أنها تقر واقعًا يعيد الدعم السريع إلى المشهد بحقوق سياسية وعسكرية، بجانب رفضها للهدنة لأنها تقر واقعًا يجعل تقسيم السودان أكثر احتمالية حال جمدت الهدنة وضع القوات على ما هي عليه في دارفور وكردفان، في ظل وجود حكومة موازية، لأن ذلك يخلق وضعية جيشين وحكومتين في بلد واحد برعاية دولية، وهي وصفة جاهزة لجعل التقسيم واقعًا، وذلك بحسب ما صرح به مناوئ في لقاء جماهيري في نيويورك.

 

رفض الحكومة السودانية لإطار التسوية والهدنة جعل الأنظار تتوجه مباشرة إلى طاولة مجلس الأمن، حيث سيعاد التصويت على مسودة مشروع القرار الأمريكي، وأخطر ما في القرار ليس فقط توسيع الحظر، وإنما نقله من نظام يقتصر على دارفور إلى نظام يشمل كامل السودان ويطبق على جميع الأطراف.

 

وكان المجلس قد فشل في التوصل إلى توافق بشأن التوسيع، فاستقر في 11 سبتمبر على القرار 2828، الذي مدد العقوبات تقنيًا لمدة شهر واحد حتى 9 أكتوبر، بينما تمتد ولاية فريق الخبراء حتى 9 نوفمبر وكان التصويت بالإجماع، لكنه عكس الاتفاق على الحاجة إلى مزيد من الوقت أكثر مما عكس اتفاقًا على جوهر التوسع.

 

الولايات المتحدة، صاحبة المشروع، تدخله وهي تحمل في يدها رفض الحكومة لخطتها، ما يجعل سهلًا على واشنطن وصفها بأنها طرف لا يملك شرعية، حسب وجهة نظرهم، وتضيف على ذلك بإثارة قضايا السلاح الكيماوي المزعوم لإضفاء عدم الأخلاقية والتأهيل للحكومة، حتى يسهل التصويت على مشروعها، الذي لا يحظر الأسلحة فقط، ولكنه يرسخ سابقة توسيع نظام العقوبات ليشمل طرفي الحرب على كامل الأراضي السودانية، بما يجعل فرض العقوبات القادمة وتنفيذ حظر السلاح أسهل على الحكومة منه إلى الدعم السريع، الذي يلجأ للتهريب بحماية إقليمية لن تتوفر للجيش حسب واقعه الماثل الآن.

 

ما سينعكس على ميدان المعركة، لأن تركيا أو أذربيجان، على سبيل المثال، لن تستطيعا أن تبيعا السودان سلاحًا في ظل قرار من مجلس الأمن، بينما يستطيع الدعم السريع أن يشتري السلاح عبر حلفائه وتهريبه بمعونتهم، وهو الجزء الأخطر على المدى الطويل.

 

واضح أيضًا أن الولايات المتحدة أعدت نفسها جيدًا في ردهات مجلس الأمن، حيث نجحت في احتواء أي معارضة لقرار التوسيع من قبل المجموعة الأفريقية في مجلس الأمن، ثلاث دول، عبر منظومة الاتحاد الأفريقي أو الاتصالات المباشرة التي قادها بولس بنفسه، الذي أحدث اختراقًا آخر بلقاء وزير خارجية باكستان، الدولة العضو في المجلس.

 

لكنه ما زال أمام عقبة الصين، التي عينها على موانئ السودان، ونحاسه جاهزة لاستخدام الفيتو، وكذا الحال نفسه من روسيا التي سبق لها أن استخدمت الفيتو، فيما لا يعلم أحد إلى أي مدى وصلت التفاهمات الأمريكية/الصينية/الروسية لتمرير مشروع القرار الأمريكي كما هو أو تعديله بما يسمح بالإجماع عليه.

 

والخلاف داخل المجلس لا يقتصر على واشنطن وموسكو وبكين. فروسيا ترفض التوسع بشكل واضح، وربطت موقفها بموقف الحكومة السودانية، وتساءلت عن سبب طرح التوسع الآن، بينما ترى الصين أن زيادة التدابير القسرية قد تفاقم الوضع الإنساني أو تزيد خطر تفكك السودان. كما رأى البلدان أن المسودة تبالغ في دور الطائرات بدون طيار وتأثيرها على المدنيين، فيما دفعت جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال، إلى جانب الصين وباكستان وروسيا، نحو تجديد بسيط لمدة عام يقتصر على دارفور.

 

وفي المقابل، تدفع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ولاتفيا باتجاه تحديث النظام، مع اعتبار أن طبيعة الحرب تغيرت وانتشرت إلى ما هو أبعد من دارفور، فيما أوصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في تقريرها الصادر في 3 سبتمبر بتوسيع نطاق الحظر ليشمل جميع أنحاء السودان.

 

كل المؤشرات القادمة من نيويورك تقول إن حصول الولايات المتحدة على توافق كامل لتوسيع نطاق الحظر هو أبعد ما يكون، وإن التمديد التقني لمدة أطول زمنيًا هو المرجح، بجانب سيناريو اللحظة الأخيرة وفق حل وسط يسمح بالتوسع المحدود للنظام ومعالجة وسطى لتأثير المسيرات.

 

فيما يسابق الجيش وحلفاؤه الوقت لتحقيق واقع مختلف، بدأ بإكمال السيطرة على شمال كردفان والنيل الأزرق، فيما تتوجه الأنظار إلى الفاشر والجنينة، شمال وغرب دارفور، قبل صدور أو نفاذ أي قرار دولي بحظر السلاح أو الاستجابة للعودة للتفاوض من واقع مختلف يقلل أو ينهي طموحات أو مخاوف التقسيم، في ظل ما يفرزه واقع موافقته على الهدنة بضغط من الحلفاء الإقليميين قبل الدوليين.

 

ومن ناحية أخرى، يعمل على تثبيت واقع جديته في الحوار السياسي السوداني السوداني، كما يسمى، من خلال لجنة تهيئة الحوار التي بدأت تتحرك داخليًا وخارجيًا، مستفيدة من أجواء أن الحوار السوداني تدعمه، من حيث الفكرة لا التنفيذ، الولايات المتحدة والأسرة الدولية ومنظماتها القارية، ما يجعل احتمالية أن تحدث اختراقًا في هذا الجانب أكثر من غيره، خاصة وأن الاختلاف في مكان الحوار وأطرافه تحاول الآلية الخماسية أن تحدث حوله اتفاقًا، وهنا تبرز القاهرة مكانًا والجامعة العربية غطاءً من طرف الخماسية أيضًا.

 

لكن بالمقابل، تنشط مجموعة القوى المدنية بقيادة حمدوك وخالد عمر لإحداث اختراق مضاد، بدعم دبلوماسي من دولة الإمارات وبريطانيا وواشنطن، بربط الحوار السياسي مع الهدنة وليس مع وقف إطلاق النار، وأن الإقصاء لا يجب أن يشمل المجموعة المنضوية تحت تأسيس، التي تعتبرها الحكومة وحلفاؤها جماعة انفصالية، مقابل توفير المشروعية الأخلاقية لمعاقبة الجيش أو الحكومة وتضييق الأمر عليها من قبل الولايات المتحدة.

 

فيما يفرض واقع الحرب التي اندلعت في إثيوبيا بجهة إقليم تيغراي، والتوتر الذي تبعها بين أديس أبابا والقاهرة وأسمرا في نفس الوقت، وفي ظل توترات أصلًا واقعة في البحر الأحمر وباب المندب والصومال والحوثيين الذين صعدوا حربهم ضد المملكة العربية السعودية، وهو الواقع الذي يجعل الخرطوم، حيث قيادة الجيش والحكومة، في خانة المطلوب إبقاء القنوات معهم مفتوحة، ليس لأنهم لم يتم إعلانهم غير مرغوب فيهم من أديس أبابا، وليس لأنها مجاورة لإقليم الحرب وملجأ متوقع للفارين من الحرب فقط، بل لكون السودان صاحب ساحل وخبرة عسكرية في البحر ووجود عسكري على ميدان المعركة في حدود السعودية مع اليمن، وفي ظل تحركات مصرية محمومة لواقع البحر الأحمر وتهديده اقتصاد مصر عبر قناة السويس وقضية الواقع في الهضبة الإثيوبية والصومال.

 

كل ذلك يعزز من فرص الخرطوم في تخطي المطبات الدولية القادمة، إن كان في تحويلها عاصمة وحكومة منبوذة بالعقوبات الدولية والحظر وعدم الاعتراف والشرعية، أو فرض إطار للتسوية لا ينسجم مع واقع التعدد المولد للاستقطاب بين أطراف الحكومة وحلفائها على الأرض.

 

فهل ستنجح واشنطن في دفع الخرطوم وحلفائها الإقليميين على قبول إطار كامل للتسوية السياسية عبر الهدنة المؤقتة أو وقف إطلاق النار وخفض التصعيد، أم تقبل الولايات المتحدة ببعض دفوعات السودان وحكومته الحالية وحلفائها، بما ينهي مستقبل الدعم السريع السياسي والعسكري بمثل ما كان عليه حاله قبل الحرب، مقابل استيعاب القوى المدنية من صمود والمبادئ السودانية لتكون القاطرة التي تجر الجميع في حكومة تقود لانتقال ديمقراطي، يحتفظ لقوى «سلام جوبا» باستحقاقاتها، بما يضعف أو يقلل من تأثير القوى الإسلامية الراديكالية، لتكون هذه المنطقة الوسطى بين جنة السودان المتعاون لإنهاء الحرب وإرساء الاستقرار الإقليمي، ونار عزل السودان وحكومته وجيشه التي حتمًا ستطيل الحريق في إثيوبيا والبحر الأحمر وليبيا وتشاد وجنوب السودان، وهي جميعها دول لدى السودان بوضعه الحالي وجود مؤثر، إن لم يكن مفتاحيًا.

 

وإلى أن يحل علينا يوم 10 أكتوبر المقبل، حيث يتوقع أن يعاد التصويت على مشروع القرار الأمريكي لتوسيع حظر السلاح على كامل أراضي السودان، وقرار التجديد للجنة الرقابة الدولية على تنفيذ قرار الحظر على السلاح في دارفور، سنظل نحفر في الجدار؛ إما فتحنا كوة للوعي والتعايش والتعافي والسلام العادل الذي لا يعيد إنتاج الحرب ولا يرهن الدولة لكائن من كان، أو متنا على سطح جدار الغبينة وسيادة الجهل بالمصالح المشتركة للشعوب السودانية موحدة.

والى ذلك الحين نحن قدامنا الصباح ، بلا شك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.