كتب عميد شرطة متقاعد عمر محمد عثمان- التخصصية تصنع الفارق… وأحيانًا تبدأ من أصغر التفاصيل- لفتت انتباه كثيرين اللقطة التي ظهر فيها محلل أداء المنتخب المصري، محمود سليم، وهو يعرض للجهاز الفني، قبل ركلات الترجيح أمام أستراليا، مقطعًا مصورًا لركلة جزاء سبق أن سددها كيليان مبابي في مرمى الحارس الأسترالي الذي دفع به مدربه بديلًا في الدقائق الأخيرة. وربما مرت اللقطة على بعض المشاهدين مرورًا عابرًا، لكنها في الحقيقة تختصر قصة كاملة عن قيمة التخصص والعمل الاحترافي.
فالنجاح في الرياضة، كما في غيرها، لا يولد في لحظة، ولا تصنعه الصدفة وحدها. إنه نتيجة ساعات طويلة من البحث، وجمع المعلومات، ومراجعة التسجيلات، وتحليل كل ما يمكن أن يفيد عندما تأتي لحظة الحسم.
هذا هو جوهر التخصصية. فالمتخصص لا يكتفي بما يراه الجميع، بل يبحث عما لا ينتبه إليه الآخرون. يجمع المعلومة، ويحتفظ بها، ويربطها بغيرها، ثم يعرف متى يخرجها من أرشيفه لتصبح أداة تساعد على اتخاذ القرار. وقد تكون هذه المعلومة سببًا في حسم مباراة، أو تحقيق بطولة، أو تجنب خسارة.
واللافت في هذه الواقعة أن الاهتمام لم ينصب على الحارس الأساسي، وإنما على الحارس البديل، تحسبًا لاحتمال مشاركته في ركلات الترجيح. هنا تتجلى قيمة التفكير المنهجي الذي لا يترك شيئًا للمصادفة، ويستعد لكل السيناريوهات، حتى تلك التي تبدو بعيدة.
وهذا درس لا يخص كرة القدم وحدها. ففي كل مهنة هناك تفاصيل صغيرة يصنع منها المحترفون فارقًا كبيرًا. ضابط التحريات قد يصل إلى الحقيقة من ملاحظة بدت عادية لغيره، والطبيب قد يكتشف المرض من عرض بسيط، والإداري الناجح قد يتجنب أزمة بسبب رقم أو إجراء لم يهمله.
لهذا فإن المؤسسات التي تحقق النجاح باستمرار ليست بالضرورة الأكثر إمكانات، وإنما الأكثر احترامًا للتخصص، والأقدر على بناء كوادر تعرف كيف تجمع المعلومات، وكيف تحللها، وكيف توظفها في الوقت المناسب.
ربما كانت اللقطة التي شاهدناها على شاشة صغيرة، لكنها حملت رسالة كبيرة: الإنجازات لا تُصنع داخل الملعب وحده، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، في غرف التحليل، وبين الملفات وقواعد البيانات، وعلى أيدي أشخاص لا يسلط عليهم الضوء كثيرًا، لكن بصمتهم تظهر بوضوح عندما يحين وقت الإنجاز.
إن احترام التفاصيل ليس ترفًا مهنيًا، بل هو أحد أسرار النجاح. ومن يتقن التفاصيل، يكون في الغالب هو الأقرب إلى صناعة الفارق.
