كتب الصحفي التركي أوموت تشاغري ساري في صحيفة “تو دي” التركية، مقالا تحت عنوان “ثمن الصمت: حرب السعودية والإمارات والسودان التي لا رادع لها” قائلا: قد لا تعود العقبة الأكبر أمام إنهاء الحرب الأهلية المدمرة في السودان كامنةً في ساحة المعركة؛ بل تكمن في الفجوة المتزايدة بين ما يعرفه المجتمع الدولي وما هو مستعد للإفصاح عنه علناً.
فعلى مدى أكثر من عامين، أشارت تقارير أعدها صحفيون وخبراء من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية إلى استمرار الدعم العسكري واللوجستي الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة لقوات الدعم السريع. ومع ذلك، دأبت واشنطن على تجنب مواجهة أبوظبي بشكل مباشر. ويثير هذا التحفظ الانتقائي تساؤلاً يزداد إحراجاً: هل باتت المصالح الجيوسياسية مقدمةً على السياسة الخارجية القائمة على المبادئ؟
وتُعد حالة حديثة تتعلق برواندا مثالاً يوضح هذا النهج بجلاء؛ ففي وقت سابق من هذا العام، فرضت الولايات المتحدة عقوبات واسعة النطاق على المؤسسة العسكرية الرواندية بسبب ما قيل إنه دعمٌ منها لحركة “23 مارس” (M23) المتمردة في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد حُظر على الشركات والمواطنين الأمريكيين التعامل تجارياً مع الجيش الرواندي وعدد من كبار ضباطه. وكانت الرسالة واضحة: إن دعم حروب الوكالة سيترتب عليه ثمنٌ ملموس.
ومع ذلك، يبدو أن هذا الحزم ذاته يتلاشى عندما يتعلق الأمر بالسودان.
فعلى الرغم من اتهام الإدارات الأمريكية المتعاقبة لقوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب جسيمة، فقد أحجمت واشنطن عن فرض تدابير مماثلة على دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك رغم استمرار المزاعم التي تفيد بتقديمها دعماً عسكرياً ولوجستياً لتلك القوات. وبدلاً من استهداف مسؤولين أو رجال أعمال أو كيانات مرتبطة بالدولة الإماراتية، قصرت الولايات المتحدة عقوباتها إلى حد كبير على الشركات المرتبطة بقوات الدعم السريع والوسطاء من المستويات الدنيا.
ولعل شبكة المرتزقة الكولومبيين تقدم المثال الأوضح على هذا النهج الانتقائي.
لقد فرضت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والأمم المتحدة عقوبات على العديد من الأفراد والشركات الضالعة في تجنيد مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. ومع ذلك، ظل محمد حمدان الزعابي -وهو رجل أعمال إماراتي يُزعم أنه لعب دوراً رئيسياً في تمويل أو تسهيل عمل هذه الشبكة- وغيره من المواطنين الإماراتيين بمنأى عن قوائم العقوبات. إن الرسالة واضحة لا لبس فيها: قد تُفرض العقوبات على الأطراف الأصغر حجماً، لكن الرعاة الأقوياء يظلون فعلياً بمنأى عن المساءلة.
ولا يقتصر هذا التردد على دولة الإمارات العربية المتحدة.
أطراف فاعلة أغفلتها الأنظار في الصراع السوداني
لقد أفلتت أطراف إقليمية أخرى -يُعتقد على نطاق واسع أنها ساهمت في استمرار الحرب في السودان- من ضغوط دولية حقيقية؛ فقد واجه كل من القائد العسكري في شرق ليبيا خليفة حفتر وشبكته، والحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء أبي أحمد، وعناصر داخل تشاد، اتهامات مستمرة بشأن أدوارهم في هذا الصراع.
وفي حين تستوجب كل حالة تقييماً خاصاً، فإن اللافت للنظر هو التردد المستمر للحكومات الغربية في فرض تكاليف باهظة على هذه الأطراف؛ وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع استعداد واشنطن لفرض عقوبات في صراعات أخرى.
ويبدو بشكل متزايد أن التفسير لا يكمن في نقص الأدلة، بل في حسابات استراتيجية أوسع نطاقاً.
تحتل دولة الإمارات اليوم مكانة محورية في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وفي مجالات التعاون الدفاعي والاستثمار والدبلوماسية الإقليمية. كما أدت العلاقات التجارية بين منطقة الخليج وشخصيات مقربة من إدارة ترامب -ولا سيما مستشار الشؤون الأفريقية مسعد بولس- إلى تأجيج الجدل العام حول أسباب تردد واشنطن. بل إن بعض المراقبين في واشنطن يذهبون إلى القول بأن الطموح النهائي لبولس هو تولي منصب سفير إدارة ترامب لدى دولة الإمارات. وسواء كانت هذه الرؤية دقيقة تماماً أم لا، فإنها عززت الانتقادات الموجهة لواشنطن بأنها تتبع سياسة “الكيل بمكيالين” عند التعامل مع شركائها الاستراتيجيين.
إن ثمن هذا التناقض لا يقتصر على المصداقية الدبلوماسية فحسب، بل يدفعه الشعب السوداني أيضاً.
طالما استمر تدفق الدعم العسكري الخارجي، ستستمر الحرب، وسيبقى الملايين نازحين، وستتفاقم المجاعة، وستستمر مؤسسات الدولة في الانهيار. إن المجتمع الدولي، بتقاعسه عن مواجهة الجهات الخارجية الداعمة للصراع، يُخاطر بأن يصبح، دون قصد، شريكاً في إشعال فتيل الحرب التي يسعى لإنهاءها.
صمت السعودية غير المجدي
من السمات اللافتة الأخرى لهذا الصراع هو النهج الحذر الذي تتبعه المملكة العربية السعودية باعتبارها القوة الإقليمية التي لا يفصلها عن السودان سوى البحر الأحمر، يمكن القول إن السعودية هي الطرف الأكثر تضرراً من استمرار حالة عدم الاستقرار؛ إذ يهدد استمرار الاضطراب في السودان أمن البحر الأحمر، وطرق التجارة البحرية الحيوية، وتدفقات الهجرة، وطموحات الرياض الأوسع نطاقاً لتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.
ورغم هذه المصالح الاستراتيجية، فقد انتهجت السعودية مساراً دبلوماسياً يتسم بقدر لافت من التروي والاعتدال؛ فخلال المناقشات الأخيرة في الأمم المتحدة بشأن السودان، آثرت الرياض مجدداً الحفاظ على حيادها، متجنبةً بعنايةٍ إبداء أي تأييد صريح للحكومة السودانية. قد يمنح هذا الحذرُ المملكةَ مرونةً دبلوماسية، لكنه يفسح المجال أيضاً لأطراف أخرى لملء الفراغ الاستراتيجي الناجم عن ذلك.
هل تتشكل “مجموعة رباعية” بديلة بشأن السودان؟
في الوقت نفسه، قد يشير الاجتماع الأخير في القاهرة -الذي ضم تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية والمبعوث الأمريكي الخاص لأفريقيا- إلى بروز إطار دبلوماسي جديد. والجدير بالذكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة غابت عن هذا الاجتماع. وقد نظر العديد من المراقبين إلى هذا التجمع باعتباره منصة بديلة محتملة لمعالجة الأزمة السودانية، وربما حتى نواة لـ “مجموعة رباعية” إقليمية جديدة.
وإذا تجاوزت هذه المبادرة مرحلة البيانات الدبلوماسية واقترنت بخطوات ملموسة، فقد تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، وحماية المدنيين، واستعادة الاستقرار الإقليمي.
غير أن نجاح هذه المبادرة لن يعتمد فقط على إدارة الصراع، بل أيضاً على التعامل مع الأطراف الخارجية التي تواصل تأجيجه.
تتمثل إحدى أكثر الأدوات فعالية المتاحة للحكومات الغربية اليوم في تكثيف الضغط على دولة الإمارات العربية المتحدة فيما يتعلق بسمعتها الدولية؛ إذ اتخذت بالفعل كل من منظمة “هيومن رايتس ووتش” وصحفيين استقصائيين وأعضاء في الكونغرس الأمريكي خطوات مهمة في هذا الاتجاه، وينبغي على الحكومات أن تظهر المستوى ذاته من العزم والإرادة.
وتتمثل نقطة الانطلاق المنطقية في تعليق مبيعات الأسلحة للدول التي تواجه اتهامات ذات مصداقية بتأجيج الصراع في السودان. وعلاوة على ذلك، لا ينبغي أن تقتصر العقوبات على الوسطاء الذين يمكن استبدالهم بسهولة، بل يجب أن تستهدف أيضاً الأفراد والشبكات الأكثر نفوذاً والمسؤولة عن تمويل الحرب وتسهيل استمرارها.
لم يعد الصراع في السودان مجرد حرب أهلية؛ بل أصبح اختباراً لمدى استعداد المجتمع الدولي لتطبيق معايير المساءلة ذاتها على شركائه الاستراتيجيين كما يطبقها على خصومه. لقد تحولت هذه الحرب إلى محكٍ يختبر ما إذا كان القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان سيُطبقان بالعزم ذاته حتى عندما يكون الحلفاء الأقوياء طرفاً في الصراع.
فإذا استمر فرض العقوبات فقط على الأطراف التي لا يترتب على معاقبتها تكلفة سياسية كبيرة، بينما يظل الشركاء المؤثرون بمنأى عن المساءلة رغم مواجهتهم لاتهامات مماثلة، فإن مصداقية التزام الغرب بحقوق الإنسان ستكون حتماً عرضةً لتشكيكٍ جدي.
لا يمكن تحقيق سلام دائم في السودان بمجرد إبرام اتفاق بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع؛ إذ يتطلب الأمر تفكيك شبكات الدعم الخارجي التي تواصل إمداد طرفي الصراع بمقومات الاستمرار. وهذا بدوره يستلزم التمسك بمبدأٍ أحجم المجتمع الدولي حتى الآن عن الالتزام به، ألا وهو: المساواة في المساءلة بين الحلفاء والخصوم على حد سواء.
