كتب- عبدالقادر باكاش- بورتسودان هذا المساء- بينما تتجه الأنظار إلى جبهات القتال وما تحققه القوات المسلحة والقوات المساندة لها من تقدم ميداني، تكشف الأحداث اليومية داخل المدن عن تحديات لا تقل خطورة عن المعركة نفسها. ففي بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد، برز اليوم مشهدان متناقضان؛ أحدهما يثير القلق بشأن الوضع الأمني، والآخر يبعث برسالة أمل حول مستقبل الاقتصاد وإعادة الإعمار.
ففي الأحياء الجنوبية للمدينة، جوبهت حملة أمنية مشتركة نفذتها القوات النظامية باشتباكات مسلحة مع عناصر متفلتة يُشتبه في انهم منسوبون للقوات المشتركة للحركات المسلحة. ووفقاً للمعلومات المتداولة، استهدفت المجموعة المسلحة عربة تتبع لشرطة مكافحة المخدرات كانت تقل عدداً من المتهمين، في محاولة لتحريرهم من قبضة الشرطة. غير أن أفراد مكافحة المخدرات تمكنوا من إجلاء المتهمين إلى عربة أخرى بعد احتراق العربة المستهدفة.
وأسفرت الاشتباكات عن إصابة ضابطين من الشرطة، أحدهما يخضع لعملية جراحية بمستشفى الشرطة، بينما وُصفت إصابة الآخر بالطفيفة. وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم تعلن لجنة أمن محلية بورتسودان موقفاً رسمياً بشأن الحادثة، في وقت نفى فيه الناطق باسم القوات المشتركة صلة قواته بما جرى، مؤكداً أن الأمر يتعلق بعناصر متفلتة لا تمثل القوات المشتركة.
بعيداً عن تفاصيل الحادثة، فإن القضية الأهم تكمن في استمرار ظاهرة السلاح خارج الانضباط المؤسسي داخل المدن. فقد تكررت خلال الفترة الماضية حوادث مشابهة في ولاية البحر الأحمر وعدد من الولايات الأخرى، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى السيطرة على المجموعات المسلحة المنتشرة داخل المناطق الحضرية. ولا يبدو منطقياً أن تتجه البلاد نحو مرحلة إعادة البناء والاستقرار بينما لا تزال بعض المدن تعيش تحت وطأة مظاهر التسلح والانفلات الأمني.
إن استعادة هيبة الدولة لا تتحقق فقط عبر الانتصارات العسكرية في ميادين القتال، بل أيضاً عبر فرض سيادة القانون داخل المدن، وتجريدها من أي مظاهر مسلحة خارج الأطر النظامية. فوجود مجموعات مسلحة قادرة على الاشتباك مع قوات رسمية في قلب العاصمة الإدارية المؤقتة يمثل تحدياً يستوجب المعالجة العاجلة والحاسمة قبل أن تتسع دائرة الخطر.
وفي المقابل، شهدت المدينة اليوم خبراً يمكن النظر إليه باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح. فمع تنامي الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب واحتياجات إعادة الإعمار، أعلنت شركة الخطوط البحرية السودانية اليوم شراء اول باخرة للبضائع العامة والشروع في التفاوض لشراء باخرة حاويات، ووقعت الشركة مذكرة تفاهم مع هيئة الموانئ البحرية لتعزيز التعاون في مجال النقل البحري.
ورغم أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، فإن أهميتها لا تقلل منها سنوات التأخير. فمنذ خروج شركة الخطوط البحرية السودانية من الخدمة عام 2017، فقد السودان إحدى أدواته الاستراتيجية في إدارة حركة التجارة الخارجية، وأصبح معتمداً بصورة شبه كاملة على شركات النقل الأجنبية، بما ترتب على ذلك من ارتفاع في تكاليف الشحن وفقدان فرص اقتصادية كان يمكن أن تسهم في دعم الاستقرار والتنمية.
إن إعادة بناء الدولة لا تعني فقط تشييد ما دمرته الحرب من طرق ومبانٍ ومنشآت، بل تشمل أيضاً استعادة المؤسسات الوطنية القادرة على حماية الأمن وتحريك الاقتصاد في آن واحد. وبين اشتباكات اليوم في شوارع بورتسودان وخطوات إعادة إحياء النقل البحري السوداني، تبدو الصورة واضحة: السودان يحتاج، بالقدر نفسه، إلى دولة قوية تحتكر السلاح، وإلى مؤسسات فاعلة تقود عملية التنمية. وما لم يتحقق الأمران معاً، فإن طريق التعافي سيظل أطول وأكثر تعقيداً.
