“توطين النازحين” بـ”دلقو”.. تفتح جراح الهوية والنزوح

0

متابعات- عماد النظيف- أعاد الحراك الشعبي الواسع الذي شهدته محلية “دلقو” بالولاية الشمالية ملف “النزوح والتوطين” إلى واجهة المشهد السوداني المأزوم، واضعاً البلاد أمام مرآة انقساماتها الحادة في دلقو، لم تعد القضية مجرد انتقال سكاني فرضته آلة الحرب، بل تحولت إلى “صراع قراءات”؛ طرف يراها دفاعاً مشروعاً عن خصوصية ديمغرافية وخدمات متهالكة، وطرف يوصمها بـ”خطاب الكراهية” والعنصرية. هذا الانفجار الاجتماعي يشي بحقيقة مرة: أن نيران الحرب التي التهمت المدن، بدأت تتسلل لتأكل ما تبقى من وشائج بين مكونات الشعب الواحد.

 

هواجس الأرض والخدمات

تحت شعار “رفض سياسات التوطين”، شهدت المحلية وقفة احتجاجية ضمت ممثلين عن مناطق “حلفا” و”السكوت” ومختلف قرى المنطقة. المحتجون سلموا مذكرة للمدير التنفيذي للمحلية، مدثر شرف الدين، لخصت مخاوف أهالي منطقة “المحس” (53 قرية) في نقاط اعتبروها موضوعية: تتمثل في الهشاشة التنموية: ضعف البنية التحتية من مياه وصحة وتعليم لا يحتمل ضغطاً سكانياً ضافياً، والتوازن الديمغرافي: طبيعة المنطقة كشريط نيلي ضيق تجعل أي تغيير سكاني كبير مهدداً للاستقرار الاجتماعي.

 

بجانب الخطر البيئي: أشارت المذكرة إلى أن الأراضي المقترحة للإيواء (كدا وكدرمة) تقع في مناطق تأثرت بأنشطة التعدين، مما يجعلها غير صالحة للسكن وتشكل خطراً صحياً على النازحين أنفسهم.

 

“فضيحة وطنية”

في المقابل، فجرت هذه التحركات موجة غضب سياسي عارمة، قادها القيادي في الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، الذي وصف ما حدث بـ”العار الوطني”

 

وفي تدوينة نارية، انتقد أردول الصمت الرسمي تجاه هذه التحركات، قائلاً:”سكن السودانيون في أحياء كاملة بدول الجوار ولم نسمع تضجراً، ولكن أن يخرج هذا الجهل علانية فهو فضيحة”. وطالب أردول الأجهزة الأمنية بمحاصرة ما وصفه بـ “خطاب الكراهية” ومحاكمة المنظمين قبل أن تتسع الرقعة.

 

رسالة “كسر الخواطر” من الفاشر

ومن قلب الحصار في الفاشر، جاء تعليق “لجان المقاومة” محملاً بالشجن والعتب الإنساني، حيث أكدت في رسالة مفتوحة أن نزوح أبناء دارفور وكردفان هو “وضع مؤقت. وقالت بلهجة واثقة: “نقف بقلوب مثقلة بالحزن، لكننا نؤكد أن العودة قريبة بإذن الله.. سيعود أهلنا إلى ديارهم مرفوعي الرؤوس، ولن نتخلى عن كرامتنا وأرضنا”.

 

محاولات لاحتواء “الحريق”

من جانبها، سارعت الإدارة التنفيذية لمحلية دلقو لإصدار بيان توضيحي حاولت فيه إمساك العصا من المنتصف. وبينما أقر البيان بحق المواطنين في التعبير السلمي، أكد على الآتي: رفض خطاب الكراهية: اعتبرت الإدارة أن المقاطع المتداولة التي حملت لغة إقصائية تمثل أصحابها فقط ولا تعبر عن إنسان المنطقة المعروف بحضارته.

 

نموذج التعايش: أشارت المحلية إلى أنها تضم آلاف المعدنين من مختلف سحنات السودان يعيشون في تناغم تام.

دعم “الكرامة”: شدد البيان على أن “دلقو” كانت سباقة في دعم المجهود الحربي وقوافل الإسناد للوافدين، مؤكدة أن الوطن واحد والعدو واحد.

 

“اختبار “جدار الثقة”

يضع هذا الانقسام السلطات في الولاية الشمالية والمركز أمام اختبار حقيقي؛ فبين مطالبات أهالي “دلقو” بحماية خصوصية أراضيهم ومواردهم، وصرخات الفارين من الحرب والمدافعين عن وحدة النسيج الوطني، يبدو أن ملف “التوطين” قد يتحول إلى “فتيل” يشعل صراعات جانبية، ما لم تتدخل الحكمة السياسية لإيجاد حلول تضمن كرامة النازح وتراعي هواجس المستضيف.

 

بينما يرى أهالي دلقو في تحركهم “حقاً مشروعاً” لحماية منطقتهم من انهيار الخدمات والتغيير الديمغرافي، يراه آخرون “طعنة” في خاصرة الجسد السوداني المنهك. وتبقى الحقيقة الماثلة أن الحرب لم تدمر الحجر فحسب، بل بدأت تنهش في “جدار الثقة” بين مكونات الشعب الواحد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.