​طه حسين وبيان “إمساك العصا”.. مديح في السر.. وزهد كاذب في العلن

0

​كتب طلال مدثر.. هل تذكرون تمثال البرهان الذي شُيّد قبل مدة في أم درمان وأثار السخط؟ أُزيل في اليوم التالي مباشرة بقرار حاسم لأن المؤسسية لا تحتمل” الأصنام”.. أما مدير “زادنا” الدكتور طه حسين فقد اختار أن يواجه السخط الشعبي ببيان إنشائي “ناعم” يشكر فيه الذين شوهوا صورته بدلاً من محاسبتهم ويبقي على “تمثاله الغنائي” يضج في الأسافير.. فهل هذا زهد حقاً أم هو استمتاع “نرجسي” بالمديح تجاوز فيه حدود المنصب لدرجة أنه لم يعد يخشى حتى “العين الحمراء”؟

​بينما يبحث المواطن عن رغيف الخبز وسط الركام وتنزف الأرض دماءاً وغلاء يتفرغ مدير كبرى المؤسسات الاستثمارية في البلاد للرد على “هيافة إيقاع تمتم” .. هل نحن أمام مسؤول دولة أم أمام “نجم شباك” يخشى ضياع بريقه؟

​طبيعي ومبرر عندي تماما حالة الجدل الكثيف المثارة منذ أمس الأول بشأن شركة “زادنا” لأنها العمود الفقري للاستثمار المرتبط بالمنظومة العسكرية والأمنية في السودان وبالتالي فإن خروج أغنية “تمجيد فردي” لمدير مؤسسة تابعة للجيش في وقت حرب وصفها قائد الجيش نفسه بأنها “حرب وجودية” ليس “فلتة فنية” ولن تفسر بسوى انها محاولة لترسيخ صورة “المُخلِّص الاقتصادي” أو “الرجل القوي” الذي يدير عجلة الإنتاج وسط الرصاص.

وأمام حالة السخط الشعبي التي أفرزها العمل أضطر المذكور في العمل لإصدار بيان زج فيه بأسماء الشهداء والجنود البواسل واستخدم دماءهم لتبرير “هيافة” أغنية تمجيد شخصي.

​بيان “التحلل” حاول تدارك “خطيئة” تحويل مدير تنفيذي إلى “زعيم شعبي” عبر إيقاعات “الزنق” و”التمتم” الصاخبة بلسان “القونات” فأنكره لأن هذا النوع من التلميع يثير حساسية مراكز القوى الأخرى داخل المنظومة فكان لا بد من ذلك الإنكار..هو لم يفعل ذلك “زهداً” مطلقاً بقدر ما كان “خوفاً مؤسسياً” من اتهامات الطموح السياسي المبكر للـ”نفع بلدو”.

​بيان الدكتور طه حسين مدير شركة زادنا هو نموذج كلاسيكي لمحاولة “إمساك العصا من المنتصف” لكنه سقط في فخ التناقضات الصارخة التي تكشف عقلية الموظف العام حين يحاول تقمص دور الزاهد وهو غارق في بريق “التريند”.

صدر البيان بعد أن “شاعت” الأغنية وحققت مرادها في الترويج مما يجعله مجرد “تحصيل حاصل” ومع ذلك تعالوا لنفكك بهدوء هذا البيان ونرى التناقضات التي حملها والتي تؤكد أنه ما كان إلا محاولة “تجميل” فاشلة فبدلاً من أن يكون حاسماً في رفض “ظاهرة كسر الثلج” جاء ليداعب صناع الأغنية ويغازل العاطفة الوطنية مما يثبت أن الأغنية والبيان وجهان لعملة واحدة من “البروباغندا” الشخصية لينتفع بها طه حسين.. لا تنتفع بها “بلدو”.

تعالوا لنكشف تناقضات البيان
بدأ المدير بيانه بتقديم “شكره لكل من أسهم في هذا العمل من شعراء وملحنين وفنانين” والتناقض الواضح والصريح هنا هو كيف تشكر أشخاصاً “تعدوا” على خصوصيتك وأقحموا اسمك في لغط عام دون إذنك؟ الشكر هنا ينسف النفي القاطع فإذا كنت غير راضٍ عن الزج باسمك فالمنطق يقتضي “العتاب” أو “المقاضاة” وليس تقديم الشكر والتقدير اليس كذلك وإلا فان هذا الشكر هو “موافقة ضمنية” مغلفة بزهد زائف.
​مدير مؤسسة اقتصادية بحجم “زادنا” يتم استغلال اسمه وصورته في عمل غنائي يثير الجدل ويكتفي ببيان “علاقات عامة”؟ عدم التلويح بمقاضاة الجهة المنتجة أو المطالبة بسحب الأغنية يؤكد أن الأغنية أدت غرضها المطلوب في “التلميع” والبيان مجرد دراما امتصاص لغضب الشارع المشتعل.
​الأغنية بعنوان “نفع بلدو” وتتحدث عن إنجازات في بلد يواجه مشاكل معقدة وتعثر للإنتاج الزراعي في عدد من المرافق ومع ذلك تخرج هذه الأغنية وكأنما هناك حالة “انفصال شعوري” حاد بينما تتقطع سبل الإمداد وتتوقف مزارع “زادنا” في المناطق الآمنة تخرج أغنية “احتفالية” مكلفة إنتاجياً “كليب استديو ترويج” وبيان طه حسين “شكر” الصناع بدلاً من أن يسألهم “من أين لكم هذا التمويل لتمجيدي في زمن الحرب؟”
مثل هذا الصمت عن مصدر التمويل يفتح باباً للتكهنات حول “تجنيب” أموال من ميزانية الشركة أو من مستثمرين يسعون لخطب ود المدير عبر “بوابة الفن” – مدخل “توتة عذاب” الرسالة والرسول والا فمن من المستفيد من خلق هالة شعبوية حول تكنوقراط عسكري استثماري وهل الأغنية هي “فاتورة مدفوعة” من جهات تطمح لعقود مع زادنا في زمن اقتصاد “كسير التلج؟
​في علم الإدارة” السكوت عن التجاوز هو موافقة عليه” وعدم إعلان الرجل عن فتح تحقيق رسمي في كيفية تمويل هذا” الكليب” الغنائي يعني أحد أمرين لا ثالث لهما إما أن المال خرج من خزينة” زادنا”وهذه كارثة تستوجب المحاسبة إن صحت أو أنه خرج من جيوب” متبرعين” يسعون لخطب ود المدير وهذه كارثة أكبر لأنها حينها ستصنف رشوة مقنعة بعباءة المديح.
​اختيار مطربة “قونات” وهو “وصف مجتمعي للفن الشعبي الصاخب” لمدير مؤسسة بوقار دكتوراه ومنصب رفيع لتمجيده لم يكن مطلقا خبط عشواء.. مطلقا لم يكن هذا الاختيار عشوائياً إنما هو محاولة لـ “شعبنة” صورة المدير “النفع بلدو “والوصول لقطاعات من الشباب والمقاتلين في “الصفوف الأمامية” والبيان الذي يدّعي الوقار الأكاديمي يتناقض مع قبول “الشكر” لمطربة تؤدي نمطاً غنائياً لا يتسق مع “الرصانة المؤسسية” المدعاة وهنا يظهر “النفاق الاجتماعي” | الاستمتاع بالمدح الشعبي في السر والتبرؤ منه باللغة الفصحى في العلن.
​​هل يعقل لمدير “دكتور” أن يشكر مطربة تؤدي إيقاعات “التمتم والزنق” في بيان رسمي؟ هذا ليس مجرد نفاق اجتماعي هذا “تسطيح” وإذلال لكرامة المنصب الرفيع نفسه لو كان العمل “أوبريت وطني” لربما استقام الشكر أما شكر “قونة” فهو اعتراف رسمي منه بأن مقامه من مقام هذا الفن الصاخب وهذا يقدح في رصانته الإدارية قبل أي شيء ولا يتناسب ابدا مع علامه الأكاديمي.
نمضي في كشف التناقضات اكثر بعد أن ابتلت العروق وذهب الظمأ وثبت الاجر إن شاء الله ونكشف عن تناقض اخر في بيان “النفع بلدو”.. نكشف عن نرجسية “الجندي المجهول.
​في الييان وصف طه حسين نفسه بأنه “أحد جنود هذا الوطن” وأنه بعيد عن “التمجيد الشخصي” لكن البيان ناقض ذلك بطريقة صياغته وبحرصه على ذكر الألقاب “الدكتور.. المدير العام.. سيادته كما ورد في البيان” وغيرها من مفردات التمجيد الشخصي الذي يدّعي الرجل الهروب منه فالشخص الذي يهرب من التمجيد لا يكتب بياناً إنشائياً طويلاً يمجد فيه “تواضعه” ولا أنا غلطان؟
كتابة بيان شخصي بصيغة الغائب الفخيمة تعكس نرجسية تتجاوز كلمات الأغنية نفسها وصدور البيان بصيغة “الأنا” يثبت أن الرجل يرى في نفسه “زادنا” وأن “زادنا” هي “طه حسين” وهذا ينسف ادعاء “الجندي المجهول” تماماً فالجندي لا يتحدث عن نفسه بل تظهر أفعاله في تقارير المؤسسة وأداءها.
​​البيان” في عضمو ” كشف عن أزمة “المؤسسية” في السودان الجديد.. سودان ما بعد 15 ابريل 2023م إذ صدر بصيغة “أنا” و”سيادته” بدلاً من بيان من “المكتب الإعلامي للشركة” ليكون البيان بشكله الذي خرج به بيانا يكرس لـ “تأليه الفرد” والعياذ بالله و”الخطاب الزهدي” الذي خرج به هو قمة النرجسية المؤسسية
​في المؤسسات المحترمة يُصدر المكتب الإعلامي توضيحاً تقنياً ينفي صلة المؤسسة بالعمل ويحذر من استخدام شعارها لكن صدور البيان كـ “رسالة شخصية” من طه حسين يؤكد في ذهن الناس تصور أن الشركة تحولت من “مؤسسة عامة” إلى “إقطاعية خاصة” تدور حول فلك المدير وصورته الذهنية وزادنا ليست كذلك.. زادنا ليست مجرد شركة ألبان أو زراعة..زادنا هي الذراع الاستثمارية الضخمة التي ارتبطت تاريخياً بالمؤسسة العسكرية وليس بتوتة عذاب.
​واخيرا نذهب لأسوا ما في البيان.. توظيف “المقدس” لتمرير “الدنيوي” ومحاولة ترحيل كلمات المديح لشهداء “معركة الكرامة” لتمرير أجندة “تلميع إداري” وإرتكاب خطيئة” تحويل مدير تنفيذي إلى “زعيم شعبي” بإيقاعات” التمتم والزنق” وهو نوع خطير من التلميع سيثير حتما حساسية مراكز القوى الأخرى داخل المنظومة مما دفع ب” النفع بلدو” سريعا لإنكاره و”الإنكار هنا لم يكن ابدا إنكار “زهد” إنما “خوفاً مؤسسياً” من اتهامات الطموح السياسي المبكر لطه حسين ​وهي نقطة “استراتيجية” لا تخطئها العين فالتلميع الفردي لشخصية” مدنية”تدير أموال المؤسسة العسكرية يعتبر في عرف المنظومات الأمنية الصارمة “تجاوزاً للخطوط الحمراء”
​طه حسين في حقيقة الأمر لم يخف من” سخط الشعب” بقدر ما خاف من “العين الحمراء” لرؤسائه العسكريين الذين قد يرون في هذه الشعبوية المصطنعة طموحاً سياسياً يتجاوز حدود التكليف الإداري.. الإنكار هنا هو “رسالة طاعة” للمنظومة ليقول لهم أنا مجرد موظف ولست منافساً يستمد شرعيته من “التريند” وضجيج الأسافير ​ومن ثم “جس نبض” الشارع تجاه قيادات الصف الثاني في منظومة السلطة والطريقة هذه “تقنية هروب” كلاسيكية شائعة ومعروفة يستخدمها المسؤول عندما يُحاصر بتهمة “التلميع الذاتي “مختبئا خلف دماء الشهداء لإسكات الناقدين.
​​الزج بأسماء الشهداء والجنود البواسل في ختام البيان هروب عاطفي نحو “المقدس” وهم الشهداء وهي محاولة مفضوحة لتحصين مدير الشركة من النقد باستخدام دماء الشهداء لتبرير “هيافة” أغنية تمجيد شخصي ولعمري فهذا استغلال سيء للمناخ العام ومحاولة لخلط الأوراق لإسكات أي صوت يسأل عن “من دفع ثمن هذا العمل؟”
​ ​إن إقحام سير الشهداء العطرة في سياق أغنية “هابطة” بالمعايير الفنية والذوقية هو “إهانة” حقيقية لمرتبة الشهادة وقدسيتها وليس تكريماً لها كما يدعي البيان فدماء الأبطال أسمى من أن تُستخدم كـ “مكياج” لتجميل صورة مسؤول يطارد الأضواء أو كـ” ستار” يتخفى خلفه هرباً من لغط “قونات” وتمتم وزنق.. إقحام “دماء شهداء الوطن” في سياق “أغنية توتة عذاب” يا زادنا هو إقحام مُخلّ ويُظهر مدير زادنا وكأنما به يحاول أن يستخدم الروح الوطنية كـ “درع” لحمايته من المساءلة عن الفوضى الإعلامية التي تسبب فيها هذه الأغنية.
​هذا البيان هو محاولة “تجميل” فاشلة فبدلاً من أن يكون حاسماً في رفض “ظاهرة كسر الثلج” الغنائية للمسؤولين جاء البيان ليداعب صناع الأغنية ويغازل العاطفة الوطنية مما يثبت أن الأغنية والبيان وجهان لعملة واحدة من “البروباغندا” الشخصية لينتفع بها طه حسين لا تنتفع بها “بلدو” لذا من الأفضل اليوم قبل الغد “أن نشوف اللي بعدو”

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.