كتب- مصعب عوض محمد خير- بنك المستقبل أداة تحويل داخلية لفريق عمل معمول بواسطة شركة إماراتية- منذ عام تقريبا بعد إعلان “الجنجويد” النكتة المسماة حكومة تأسيس أعلنوا منذ اليوم الأول أن هدفهم توفير ظل الدولة لمواطن مناطق سيطرتهم وذكروا بالاسم جوازات السفر وإصدار عملة جديدة وقالوا يومها الماكينات جاهزة لطباعة العملة والجوازات.
ترسيخ انقسام رأسي
بعض عشاق المقارنات الجزافية وقتها تحدث عن خطورة ترسيخ انقسام رأسي على النمط الليبي خاصة فيما يتعلق بالعملة والنظام المالي، وكتبت يومها البوست أدناه وها نحن بعد مرور عام، تمخض الجمل فولد فأرا لا بنك مركزي موازي لا بنك تجاري بل تطبيق تسجيل ديون اسمه المستقبل، والعملة المستخدمة ذات الجنيه المصدر بواسطة بنك السودان المركزي نزلت التطبيق وقلبتوا وجمعت معلومات عنه انزل بوست لاحقا اشرح طبيعته والهدف منه وفرص نجاحه وهل عنده أي مخاطر.
دولة 56 وما ادراك ماهي ! بنك السودان المركزي مقابل البنك المركزي الليبي
في خضم الغبار المثار على هامش ما جرى في نيروبي بدأ البعض يستدعي النموذج الليبي ويعقد مقارنات يمكن وصفها بالسطحية تأدبا، واستوقفني تصريح للهادي إدريس عن انشاء بنك مركزي جديد وعملة جديدة ونظام مصرفي جديد ونفس التصريح سبقه به التعايشي ودعوني بهذه المناسبة استعرض ملامح مختصرة من تجربة انقسام البنك المركزي الليبي من 2014 حتي تم إعادة توحيده في 2023 وقد سبق أيضا ان شهد انقسام قصير خلال 2011م.
موازي للفرع الرئيسي
أولا حكومة شرق ليبيا لم تقم بإنشاء بنك مركزي جديد موازي بل ما حدث هو انقسام رأسي في مؤسسة البنك المركزي نفسها حيث قام برلمان طبرق بتسمية نائب المحافظ علي الحبري كمحافظ واصبح يدير فرع البنك المركزي في بنغازي كبنك مركزي موازي للفرع الرئيسي في طرابلس.
لم يجرؤ فرع بنغازي طوال سنوات الانقسام علي اصدار عملة جديدة بل استمر في التعامل بنفس الدينار الليبي مجبرا حيث كانت هذه الوسيلة الوحيدة الممكنة لحكومة شرق ليبيا للاستدانة وتمويل موازنتها حيث بلغ اجمالي العجز الممول باستدانة داخلية خلال الفترة 2015-2018 ، مبلغ 56 مليار دينار ليبي (40 مليار دولار) وكان هذا التمويل من مصدرين الأول هو الجمهور عبر اصدار سندات خزانة (بالدينار الليبي) وشكلت نحو 60% أي ما يعادل 25 مليار دولار والمصدر الاخر استدانة البنك المركزي فرع بنغازي من البنوك التجارية في حدود 15 مليار دولار حيث ظلت البنوك تعمل في الشرق والغرب وتتعامل مع نظام محاسبي يدوي في فرع بنغازي بعد ان قام فرع طرابلس بفصلهم من نظام التسويات الانية الالكتروني
قام فرع بنغازي وتحت الضغط الشديد لمحاولة سداد المديونية المتراكمة أعلاه بطباعة فئات من الدينار الليبي وضخها ولكن لم يتجاوز اجمالي ما طبعه ال 15% من اجمالي الدين المذكور فهو يدرك جيدا ان هذا اجراء يهدد بنسف الأرضية التي يستند عليها في الحصول علي القسم الأكبر من الأموال (وجود عملة موحدة ونظام مصرفي تجاري مستمر في تقديم خدمته في الشرق والغرب)
المشهد برمته في ليبيا كان مشهد انقسام رأسي في مؤسسات الدولة والبنك المركزي هنا مثال فقط ، حتي جيش حفتر هو في أساسه ضباط وجنود من الجيش الليبي والمؤسسة الليبية العسكرية بل ان حكومة طرابلس عبر البنك المركزي استمرت في دفع رواتب عناصر الامن والشرطة المعينين قبل 2014 والتابعين لحكومة حفتر
بالعودة لحديث التعايشي والهادي ادريس عن انشاء نظام مالي ومصرفي وبنك مركزي وعملة جديدة، وبأخذ حيثيات انه لا يوجد بنك واحد او حتي صرافة ظلت تعمل في مناطق الدعم السريع لأسباب امنية نقول لهم بالتوفيق وحظ سعي.
ببساطة لان ما حصل في السودان ليس انقسام رأسي للدولة في السودان صباح التمرد انسحب فورا الـ400 ضابط المنتدبين للدعم السريع والتحقوا بالقوات المسلحة، بنك السودان المركزي فورا واصل العمل من 12 فرع خارج مناطق سيطرة المليشيا من اصل 17 بينما جميع منسوبي الفروع الخمسة سرعان ما التحقوا بفروع البنك العاملة دون ان يتخلف واحد، في الحقيقة الالتزام المؤسسي الصارم في بنك السودان المركزي خاصة خلال اشهر الحرب الاولي وحتي الان يجب ان يوثق. وسبق ان كتبت عنه في يوليو 2023.
ما حدث في السودان هو دولة في مواجهة لا دولة لا انقسام رأسي للمؤسسات وسلم لي علي النموذج الليبي.
في الوقت الذي يطلق فيه انصاف السياسيين في نيروبي الاحاديث في الهواء فأن هناك المئات بل الالاف في داخل جهاز الدولة “دولة 56” قضوا سنين عددا من الممارسة والدربة، أبناء مهنتهم وصنعتهم وبالطبع أبناء دولتهم قبل كل شيء، لا يعرفون فلهوة السياسة ولا ينتمون لأحزابها، لديهم اطلاع بما يدور في واقع مهنتهم محليا وما يدور فيها إقليميا ودوليا ولديهم صبر وجلد علي قراءة التقارير الطويلة المملة والرتيبة.
من أراد الاطلاع اكثر على النموذج الليبي فيما يلي القطاع المالي ولا يتمتع بجلد وصبر موظفي الدواوين الحكومية لقراءة تقارير طويلة رتيبة هناك حلقات من ستة أجزاء مسجلة مع محافظ البنك الموازي في بنغازي علي الحبري يجدها في يوتيوب ، لن تجد فيها ارقام ونسب من قبيل ما ورد بعالية ولكن ستعطيك صورة تقربك للأرض وتنزلك من سماء التخيلات المتمثلة في حديث الجماعة إياهم.
