خطاب رئيس حركة تحرير شرق السودان إبراهيم دنيا.. منطق السلاح والسياسة
كتب- عمر دمباي- خطاب رئيس حركة تحرير شرق السودان إبراهيم دنيا.. بين منطق السلاح وضرورات السياسة- ليس من الضروري أن يتماشى خطاب أي حركة وليدة مع أمزجة الجميع، خاصة في بلد أنهكته الحرب وأعادت تشكيل وعيه السياسي والاجتماعي.. فالسودانيون، بعد اندلاع الحرب، انقسموا بوضوح إلى ثلاث مجموعات رئيسة:
ثلاث مجموعات اختلفت حول الخطاب
مجموعة داعمة لمؤسسات الدولة الممثلة في القوات المسلحة، ومجموعة ثانية مؤيدة لمغامرة الدعم السريع وما يقوم به، ومجموعة ثالثة ترفض الحرب من حيث المبدأ وتبحث عن مخرج سلمي شامل.
الانفعال والتعاطف
في هذا السياق، يمكن قراءة خطاب حركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم دنيا بعيدا عن الانفعال والتعاطف وضمن خارطة الاصطفاف المعقدة التي فرضتها الحرب.
تتقاطع الحركة، موضوعيا، مع المجموعة الأولى في عدة نقاط، فقد تشكلت في أراضي دولة تعد حليفا واضحا للقوات المسلحة، على الأقل في المرحلة الراهنة، وهي إرتريا، كما تتفق معها في توصيف الحرب باعتبارها حربا فرضت على السودان، وترى أن الدفاع عن النفس والأرض والعرض بات واجبا لا خيارا، ومن هذا المنطلق أعلنت الحركة، بوضوح، استعدادها لأن تكون في مقدمة الصفوف ولكن لحماية إقليم شرق السودان فقط من أي عدوان خارجي أو تحركات محتملة من دول أو أطراف محاذية تسعى لتهديد أمن الإقليم.
ليس بعيدا عن المؤسسة العسكرية
كما أن نشأة الحركة لم تكن بمعزل عن المؤسسة العسكرية، بل جاءت تحت سمعها وبصرها، وفي مناخ تعلو فيه لغة السلاح، ويستشعر فيه الجميع خطرا وجوديا على مناطقهم.
في المقابل، يلتقي خطاب الحركة، من زاوية أخرى، مع خطاب الدعم السريع ومناصريه في ما يتعلق بلغة المظلومية، والحديث عن التهميش، والاستئثار بالسلطة، وهي قضايا ظلت حاضرة في الخطاب السياسي السوداني لعقود.
الالتزام بوحدة السودان
وفي بعد ثالث، لا يمكن تجاهله، تتقاطع الحركة مع المجموعة الرافضة للحرب، من حيث التأكيد على أهمية إحلال السلام، وتأييد طرح الرباعية الدولية، واعتبار السلام مدخلا أساسيا للتنمية، ومعالجة جذور الأزمات، ومكافحة خطاب الكراهية، كما تؤكد الحركة بوضوح، في خطابها المعلن، التزامها بوحدة السودان وحدوده المعروفة.
تحالف 5 حركات حول حد أدنى
لهذا، ليس مستغربا أن تحاول كل جهة اقتطاع الجزء من خطاب الحركة الذي يخدم رؤيتها، ويقوي موقفها، ويضعف خصومها، غير أن الصورة العامة تشير إلى تحالف خمس حركات حول حد أدنى من الأهداف، أبرزها حماية شرق السودان من أي مخاطر خارجية، وهي خطوة لا يمكن أن تتم، بطبيعة الحال، بمعزل عن القوات المسلحة، ما يجعل التوقف عندها بوعي وهدوء أمرا ضروريا، خاصة وأن هذا التحالف يستند إلى قواعد اجتماعية واسعة ومؤثرة في شرق البلاد.
سبب خطاب إبراهيم دنيا وصراحته
إن ظهور هذه الحركات، وتكاثر المليشيات، لا ينفصل عن المزاج العام السائد في السودان اليوم، وهو مزاج يرى في السلاح أقصر الطرق لفرض المطالب وإيصال الصوت، بغض النظر عن درجة مشروعيتها أو عدالتها.. وقد يتساءل البعض عن سبب حدة خطاب إبراهيم دنيا وصراحته، في تقديري، لو لم يكن الرجل يمتلك قوة مسلحة، لما التفت كثيرون إلى حديثه، رغم أن مدنيين كثر في شرق السودان قالوا ما هو أكثر جرأة، وطالبوا بما هو أوسع، لكن غياب السلاح جعل أصواتهم خافتة وغير مؤثرة في معادلة القوة.
يبدو أن دنيا يدرك أن الرسائل في هذا التوقيت لا تسمع إلا بهذه اللغة المباشرة، لا سيما في مواجهة سلطة وصلت إلى مواقعها بلغة السلاح، بل وشجعت عليه ضمنيا في مراحل سابقة.
الطالح قبل الصالح
كما يلاحظ أن الرجل انشغل بالرد على ما يتداول في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي مساحة تعج بالطالح قبل الصالح، والتركيز على هذا الطالح قد يفهم بوصفه دليلا على نجاح بعض الحملات في استفزازه، وهو ما يضعف أحيانا الرسائل الأساسية التي أراد إيصالها.
الرايات والشعارات
في المحصلة، يظل خطاب حركة تحرير شرق السودان نتاجا مباشرا لمرحلة استثنائية يعيشها السودان، مرحلة اختلطت فيها السياسة بالبندقية، وتقدمت فيها القوة على الفكرة، وأصبح فيها الصوت الأعلى هو صوت السلاح، مهما اختلفت الرايات والشعارات.
