تقييد اتصال الواتساب: قضية أمن أم اتصالات؟

0

بقلم- د. إبراهيم الصديق علي- تقييد اتصال الواتساب: قضية أمن أم اتصالات؟

 

(1)

 الواتساب WhatsApp هو تطبيق التراسل الأكثر شهرة والأوسع انتشارا في العالم ، بما يتجاوز 2 مليار مستخدم نشط ، وهذا فارق كبير عن بقية التطبيقات المشابهة واشهرها wchatg , Facebook Messenger, Telegram

 

وحظى التطبيق بشهرة واسعة في السودان ، مع ميزاته ، المتمثلة في سهولة التطبيق ، والرسائل النصية ، والفيديوهات والصوتيات ، واصبح التطبيق الأكثر استخداماً

 

(2)

أمس ، الاحد 20 يوليو 2025م ، أصدرت هيئة الاتصالات بياناً أعلنت من خلاله تقييد خدمة الاتصال بالواتساب اعتبارا من يوم 25 يوليو 2025م ، مع استمرار بقية الميزات ، وعللت ذلك بالحفاظ على الأمن القومي.. والسؤال هنا ، لماذا لم يتم ذلك منذ بداية الحرب في العام 2023م أو العام 2024م ، والأوضاع أشد ضراوة ؟

 

ويمكننا أن نفترض اجابتين:

– مع ظروف الحرب تأثرت شبكات الاتصالات وحدث بطء في تقديم وانسياب خدمة الاتصالات ومن بينها الاتصال بالواتساب وغيره.. وكان من المتعذر الاتصال وتحميل الصوتيات وعثر في مقاطع الفيديو ، وبالتالي لم يشكل الأمر تهديداً يستدعي الحظر.

 

– كان مسرح العمليات العسكرية النشط والأكثر فاعلية محدودا ومعروفاً ، ويمكن السيطرة عليه من خلال التشويش والتتبع ، والان انفتح مسرح العمليات على مساحة ممتدة من المثلث الحدودي في شمال البلاد إلى شمال كردفان الى الدلنج والحمادي ، وبالتالي ثمة حاجة للتقليل من حجم نقل المعلومات بصورة عاجلة وآمنة من الاختراق ومشفرة، وعلى بداهة هذه الافتراضات فإن الأمر لا يخلو من تفاصيل أخرى.

(3)

وفق تقديرات بعض الخبراء ، فإن خسائر شركات الاتصال في السودان خلال فترة الحرب تزيد عن 1.5 مليار دولار ، و تأثرت شبكات الاتصالات ومراكز الخدمات والأبراج والبنيات التحتية ، وهناك جوانب أخرى لهذه الخسائر ومنها:

 

– خروج عدد كبير من المستخدمين من الشبكة نتيجة مغادرتهم البلاد ، وتوقف خدمة الاتصالات واعتمادهم على اتصالات الواتساب ، علماً بان عدد المستخدمين انخفض من 31 مليون إلى 20 مليون من بين 45 مليون سكان السودان ، ومع ظروف الحرب في دارفور وصعوبة صيانة الشبكات هناك فإن الشركات تعاني خسائر كبيرة.

 

– تطور خدمات الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية ، وخاصة أجهزة الاستارلينك ، ومراكز خدماتها وسرعة انتشارها وتوفير بيانات انترنت مباشرة دون فائدة مباشرة لشركات الاتصالات ، ومع أن هناك قرار سابق بحظرها إلا إنها في انتشار وتوسع.

 

وبالمناسبة ، هذه الأجهزة أكثر خطورة على الأمن القومي من تطبيق الواتساب وغيره.. لكل هذه الأسباب ، فإن شركات الاتصالات بحاجة لاستعادة خدماتها وتوفير مردود لتقليل خسائرها.. ولا يعتبر السودان حالة شاذة في ذلك ، هناك دول كثيرة اتخذت ذات الخطوة ، فهذا عالم شديد التنافس.

 

(4)

بلغ حجم تجارة الاتصالات عالمياً خلال العام 2024م أكثر من تريليون و32 مليار دولار ويتوقع زيادته بنسبة 6.14 % العام 2025م .. وللواتساب جزء من هذه السوق ، فقد كانت بدايته البدائية في العام 2009م ، وبلغ عدد مستخدميه 400 مليون في العام 2011م ، واستحوذت عليه شركة Facebook بقيمة 19 مليار دولار ، واصبح رائداً في سوق الاتصالات.

 

واصبح بالتالي التطبيق الأكثر إزعاجاً لطرفين:

– أجهزة المخابرات والتتبع والرصد ، ومهما يقال عن المحادثات الآمنة ، فإن ذلك مجرد وهم ، كل الاستخبارات العالمية لديها وسائل لالتقاط المعلومات، وأنشئت إدارات متخصصة في ذلك، وبما أن الواتساب يوفر اتصال آمن ومشفر ، فيمكن اعتباره مهدداً أمنياً..

 

– ولكن الواتساب ، كذلك مؤثر في حجم الاتصالات ، وهى مورد مهم لشركات الهاتف السيار ، والشخصية السودانية ذات طبيعة ثرثارة، ومعدل مكالمات المواطن السوداني تقترب من 7 دقائق ، بينما في مصر مثلاً أقل من 40 ثانية ، وقس على ذلك.

 

– في خاتمة هذا المقال ، لابد من الإشارة إلى نقطتين..

أولهما: إمكانية كسر الحظر باستخدامات تطبيقات VPN, وهذا وارد دون ان ننسى أن هذا التطبيق يطلب (مقابل مالي أو اعلاني) ، ومع ضعف الانترنت فإن هناك صعوبة في الثاني واستحالة في الأولى بالنسبة لشريحة اجتماعية واسعة ، وهم قطاع اتصالات الواتساب والأنس والثرثرة.

 

والثاني: إن توسل هيئة الاتصالات بالدواعي الأمنية فيه إشارة موجبة لتعظيم الحس الأمني والوعى بالمخاطر التي تستهدف الوطن ، وفي السابق كانت المؤسسات تتحاشى سيرة (الأمن القومي).. إذن الأمر لا يخلو من مصلحة مشتركة ، والراجح أن التجارة أوسع حظاً من الأمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.