عمر الدقير يكتب- مقاربة أحمد هارون لدور الجيش: مراجعة سياسية أم إعادة إنتاج لعسكرة الحكم؟

0

كتب- عمر الدقير- أطلَّ رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول وأحد أبرز رموز النظام المباد، أحمد هارون، في حوار مع الإعلامي ربعي سراج عبر برنامج “السودان بودكاست”، تناول فيه قضايا عديدة ولعل أبرز ما كشفه الحوار هو صفرية المسافة التي قطعها هارون وحزبه في مراجعة تجربة حكمهم.

 

فمن انتظر نقداً ذاتياً شجاعاً واعترافاً بالأخطاء لم يجد سوى تنصل من المسؤولية وجفولٍ عن الاعتراف بالخطايا واستنكافٍ عن الاعتذار، ومحاولة طمس الصلة بين أزمة السودان الراهنة وإرث ثلاثة عقود من الاستبداد أما ضحايا تلك الحقبة: من مجدي محجوب والطبيب علي فضل في بداياتها، مروراً بضحايا حرب دارفور وليس انتهاءً بالمعلم أحمد الخير في أخريات أيامها، فقد غابوا عن حديثه، كما غاب الاعتراف بمظالمهم.

 

وكان الأشد دلالةً عدم اعترافه بسقوط نظامه بفعل الإرادة الشعبية التي تَجلَّت في ثورة ديسمبر، بل مضيه في السخرية منها وازدرائها بوصفها “ثورة مصنوعة” دَبَّرَتْها أجهزة الاستخبارات العالمية، متجاهلاً أن الثورة كانت تتويجاً لثلاثة عقود من المقاومة الباسلة، لم يتوقف خلالها السودانيون عن تقديم التضحيات الجسام في مواجهة استبداد نظامه وإفراطه في القمع والتنكيل بمعارضيه؛ وكأن إنكار الثورة، لفظياً، يمكن أن يمحو حقيقتها التاريخية أو يُسقط مشروعيتها.

 

يتناول هذا المقال رؤية هارون لدور الجيش في السلطة السياسية بعد الحرب، التي أعاد تأكيدها في حواره الأخير، بعدما طرحها في تصريحات لوكالة رويترز نُشرت في يوليو2025م، وأثارت آنذاك جدلاً سعى خلاله بعض الموالين إلى تقديمها مؤشراً إلى مراجعات سياسية واستعداداً للعودة إلى العمل المدني ضمن مسار دستوري. فالموقف من علاقة الجيش بالسلطة ليس تفصيلاً عارضاً في مراجعة تجربة حزب وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري، وأمضى ثلاثة عقود مُتحصِّناً بالأجهزة الأمنية والقوانين القمعية، قبل أن تطيح بنظامه ثورة شعبية .. إنه اختبار جوهري للاستعداد لمساءلة تلك التجربة وتَحمُّل مسؤولية إرث الانقلاب وتبعاته.

 

تقوم رؤية هارون على ما وصفه بـ “مقاربة جديدة” لدور الجيش في السياسة، تتلخص في الآتي:

* بقاء الجيش في الحكم بعد الحرب.

* تَوَلِّي الجيش رئاسة الدولة.

* اعتماد هيكل للحكم يمنحه السيطرة على الشؤون السيادية وما يتصل بالأمن القومي.

لا تكمن خطورة هذه المقاربة في حجم الصلاحيات المقترحة للجيش فقط، بل في طبيعتها؛ فهي تتجاوز اختصاصه المهني في الدفاع عن الوطن وحماية أمنه القومي إلى منحه سلطة سياسية على الدولة وقرارها السيادي. وثمة فرق جوهري بين أن يضطلع الجيش بواجباته الدستورية في حماية الدولة، وأن يصبح شريكاً في حكمها وتحديد خياراتها.

 

ففي الحالة الأولى يؤدي وظيفته بوصفه مؤسسة وطنية خاضعة للدستور والسلطة المدنية، أما في الثانية فيغدو مركزاً للسلطة فوق المؤسسات المدنية، ويصبح الحكم المدني مقيّداً بإرادته.

 

لقد ظللنا، قبل الحرب وبعدها، ندعو إلى إنهاء تعدد الجيوش لصالح جيش وطني مهني واحد، يحمي الوطن وسيادته ونظامه الدستوري، ولا ينافس المواطنين على حقهم في اختيار من يحكمهم. وهذه الدعوة ليست موقفاً عدائياً تجاه القوات المسلحة، بل حرص عليها وعلى مهنيتها؛ فقد أثبت تاريخنا أن تسييس القوات المسلحة أضر بها، وأثقلها بأعباء الصراع على السلطة، وأسهم في تهيئة الظروف لنشوء مراكز قوة مسلحة خارج إطارها.

 

وتزداد أهمية هذا النقاش في ضوء التقاطع اللافت بين رؤية أحمد هارون وتصريحات سابقة للفريق أول ياسر العطا، أكد خلالها بقاء الجيش على رأس السلطة السيادية لعدة دورات انتخابية. فهل نحن أمام مجرد تشابه في التصورات وتوارد الخواطر، أم توافق سياسي بين الطرفين؟ وأي معنى للانتخابات إذا كان الجيش سيحتفظ بالسلطة السيادية، ويمنح نفسه حق الانقلاب على خيارات الناخبين إذا لم تُعجبه “حسب تعهد ياسر العطا”؟!

 

وتَتجلَّى المفارقة الأبرز في رؤية هارون حين يقترح استفتاءً شعبياً على مرشح يختاره الجيش لرئاسة الدولة؛ إذ يُستَدعى الشعب لإضفاء الشرعية على اختيار لم يصنعه. فالاستفتاء، بهذه الصيغة، لا يمنح المواطنين حرية الاختيار بين بدائل متنافسة، بل يُحوِّلهم إلى مجرد مصادقين على قرار اتُّخذ بمعزل عن إرادتهم. والشرعية الديمقراطية لا تُختزل في صندوق اقتراع؛ إنها تبدأ بحرية الترشيح والتنافس، وتكتمل بحق الشعب في المحاسبة والتغيير.

 

ثم إن المقترح يثير أسئلة بديهية لم يُقدِّم هارون إجابة عنها: بأي آلية سيختار الجيش مرشحه؟ هل بانتخابات داخلية لا تعرفها نظمه وهياكله، أم وفق التراتبية العسكرية؟ وإذا كانت التراتبية هي المعيار، فلماذا لم يُسَمِّ هارون قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مرشحاً للاستفتاء؟ أم أنَّ سبب هذا الغموض حسابات سياسية تُوحي بأنَّ وراء الأكَمَة ما وراءها؟

 

إن المراجعة الجادة تقتضي مساءلة الأسس التي أنتجت الأخطاء، وفي مقدمتها الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح وتوظيف مؤسسات الدولة للاحتفاظ بها. ومن هذه الزاوية، فإن رؤية هارون لا تُقدِّم قطيعة مع إرث الانقلاب، بل تقترح إعادة إنتاج منطقه في قالب دستوري جديد؛ فبدلاً من أن يكون الجيش أداةً للاستيلاء على الحكم، يصبح شريكاً دائماً فيه، ويُراد للاستفتاء أن يُضفي على هذا الدور شرعية شعبية ودستورية.

 

لقد دفع السودان ثمناً فادحاً لتداخل الجيش والسياسة، ولن يكون الخروج من أزمته بتجديد هذا التداخل تحت مسميات جديدة. فالدرس الذي ينبغي استخلاصه ليس كيف نُكيِّف الحكم مع استمرار المؤسسة العسكرية في السلطة، بل كيف نبني دولة مدنية ديمقراطية تمتلك جيشاً وطنياً مهنياً واحداً؛ يحمي سيادتها ونظامها الدستوري، وينأى عن السياسة، ولا ينازع شعبها حقه الأصيل في اختيار من يحكمه

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.