الإعلان عن اكتشاف «كنيسة يسوع الكبرى» في دنقلا بالولاية الشمالية
متابعات- الزاوية نت- أعلنت البعثة السودانية البولندية المشتركة العاملة في موقع دنقلا العجوز (Tungul)، عاصمة مملكة المقرة النوبية، عن تفاصيل جديدة تزيح الستار عن أجزاء واسعة من المبنى الأثري المعروف باسم «كنيسة يسوع الكبرى» تم الإعلان عنها رسميا في موقع المركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط بجامعة وارسو، الذي تُجمع المصادر التاريخية المدونة باللغة العربية على أنه كان أكبر وأثرى الكنائس في إفريقيا وبلاد النوبة خلال العصور الوسطى.
أشارت أعمال التنقيب الأخيرة إلى أبعاد معمارية استثنائية لهذا الصرح؛ إذ يُقدَّر طول المبنى بحوالي 57 مترًا وعرضه 47 مترًا، بينما يصل ارتفاعه المفترض إلى زهاء 21 مترًا، وهو ما يجعل مساحته الإجمالية تتجاوز مساحة مبانٍ عالمية بارزة كالبيت الأبيض في واشنطون.
وقد كشفت الحفريات الحديثة عن درج معماري ضخم يؤدي إلى المدخل الرئيسي، إلى جانب دعامات جدارية ضخمة أُضيفت لتدعيم المحراب (Apse).
وتمكن الفريق لأول مرة من الوصول إلى مستوى الأرضية الأصلية للمبنى. وتصل بعض الجدران المحيطة بالمدرج إلى ارتفاع 11 مترًا، مما يعكس حالة حفظ استثنائية تُعد فريدة في مواقع الآثار الإفريقية.
وفي هذا الصدد، أوضح مدير البعثة الأثرية عالم النوبيات البولندي البروفيسور أرتور أوبووسكي (Artur Obłuski) أن هذا المبنى كان يمثل مركزًا رئيسيًا للإشعاع المعماري والتصميمي في المنطقة (Trendsetter)، على غرار كنيسة “آيا صوفيا” في القسطنطينية.
ويرجح هذا الاكتشاف إعادة تقييم الوظيفة التخطيطية للمباني الأثرية الأخرى الواقعة خارج أسوار المدينة، والتي كان يُعتقد سابقًا أنها الكاتدرائية الرئيسية لدنقلا، لم تتوقف الاكتشافات عند الهيكل الرئيسي للكاتدرائية؛ فقد رصد الأثريون بقايا كنيسة أخرى شُيّدت في الطابق العلوي لمبنى ملحق بالجانب الشرقي للكنيسة الكبرى.
ورغم تعرض الجدران للاندثار الجزئي، استخرجت البعثة مئات القطع الجصية الملونة التي تحمل أجزاءً من جداريات متعددة الألوان.
وعلى صعيد الدراسات اللغوية والابستمولوجية (Epigraphy)، أوضحت خبيرة النقوش بالبعثة د. أجاتا ديبتولا (Agata Deptuła) أن الرديم احتوى على كِسَر جصية تحمل نصوصًا دينية باللغة اليونانية مكتوبة بخط كتابي دقيق جداً (Book hand). وتضم هذه النصوص ترانيم وأناشيد كتابية (Odes) من بينها جزء من “صلاة حنا” (أم النبي صموئيل) الواردة في العهد القديم، وهو نمط نادراً ما يُثرى به السجل الأثري في دنقلا مقارنة بنصوص سفر المزامير الأكثر شيوعًا.
تزامنت أعمال الحفر والتوثيق الأثري مع تدابير عاجلة لحماية الموقع من تداعيات السيول التي شهدتها المنطقة في خريف عام 2024. وضمن أبعاد المسؤولية المجتمعية للأركيولوجيا، أشرفت البعثة بالتنسيق مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف (NCAM) وبدعم من برنامج المساعدات البولندية (Polish Aid) على تشغيل محطة طاقة شمسية كهرومائية.
تُسهم هذه المنظومة في تشغيل مضخات سحب المياه من النيل لدعم أكثر من 10,000 نسمة من سكان المنطقة، وتغذية 8 محطات لتقوية ضغط المياه للمنازل المرتفعة، مما يربط العمل الأثري الميداني مباشرة بالاحتياجات التنموية للمجتمع المحلي حول الموقع.
تأتي هذه الأبحاث في إطار مشروع “Afropolis Tungul” التابع لمجلس البحث الأوروبي (ERC) ومشروع “Kyriakós oíkos” الممول من مركز العلوم الوطني البولندي (NCN)، بهدف إعادة بناء التاريخ الحضري والاجتماعي لعاصمة المقرة بين القرنين الرابع والخامس عشر الميلاديين.
المصدر: pcma.uw.edu.pl/en
