محمد ضياء الدين- تعطيل “بنكك” ما وراء الحدث؟
كتب محمد ضياء الدين- تعطيل “بنكك” ما وراء الحدث؟- تجاوز سعر الدولار اليوم في السوق الموازي “الأسود” حدود 8000 جنيه سوداني مقابل الدولار، في واحدة من أكثر حلقات إنهيار العملة الوطنية قسوة في ظل هذا التدهور، وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام أزمة أخرى تتمثل في تعطل تطبيق “بنكك”، الذي تحول خلال سنوات الحرب إلى شريان رئيسي لحياة الناس، في ظل تعطل المصارف وشح السيولة واتساع الاعتماد على التحويلات الإلكترونية. وقد أكدت تقارير ميدانية أن تعطل التطبيق أربك حركة البيع والشراء وعطّل معاملات المواطنين والتجار.
وفق المعطيات التي تقوم عليها هذه القراءة، فإن تعطيل “بنكك” لم يكن شأن تقني كما يبدو، وإنما جاء بفعل فاعل دون إعلان عن الأسباب الحقيقية، ضمن سياسة تتجاوز فكرة محاصرة تجارة العملات.
الهدف الحقيقي في تقديري، هو إعادة تشكيل سوق النقد الأجنبي، عبر إخراج شريحة واسعة من المتعاملين من سوق التحويلات الإلكترونية، ثم إفساح المجال أمام مجموعات محددة تمتلك السيولة النقدية المدعومة من السلطة للدخول إلى السوق واحتكار جانب كبير من عمليات شراء الدولار.
وهنا تكمن خطورة الإجراء.
فحين تتوقف الوسيلة التي يستخدمها المواطن والتاجر لتحريك أمواله، تصبح السيولة النقدية سلعة نادرة. من يملك الكاش يستطيع الشراء، ومن يملك المال داخل “بنكك” يجد نفسه عاجزاً عن إستخدامه. وبذلك لا تختفي القوة الشرائية، وإنما تنتقل من ملايين المستخدمين إلى أيدي القادرين على توفير النقد “الكاش”
هذه ليست محاصرة للمضاربة، وإنما إعادة توزيع لأدوات المضاربة.
الأخطر أن توفير كميات كبيرة من النقد السوداني المطبوع لجهات مرتبطة بالسلطة، إلى جانب أمراء الحرب والجماعات المستفيدة من إقتصاد الحرب، يمنح هذه الجهات قدرة إستثنائية على شراء الدولار من السوق الموازي. في المقابل يُحرم المواطن من السيولة الموجودة في حسابه الإلكتروني. وهنا تتحول الدولة بدلاً من أن تكون منظماً للسوق، إلى طرف يمنح أفضلية لمن يمتلك النفوذ والقدرة على الوصول إلى النقد.
إن تعطيل “بنكك” في هذه الحالة لا يؤدي إلى خفض الطلب على الدولار بل يخلق تجار عملة جدد يمتلكون ميزة لا تتوفر للآخرين، هذا ما يفسر تراجع قيمة الجنية السوداني أمام العملات الصعبة رغم تعطيل تطبيق “بنكك”.
وهذه هي الحلقة التي ينبغي كشفها.
تعطيل التحويلات الإلكترونية.. حجز أموال المواطنين.. توفير النقد لجهات محددة.. شراء الدولار بكميات أكبر.. ترك المواطن خارج السوق.. زيادة التركّز والاحتكار في سوق العملة.
أما المواطن المسكين فهو الخاسر الأكبر. فأمواله المحجوزة داخل التطبيق لا تتوقف قيمتها الاسمية، لكن قيمتها الحقيقية تتآكل مع كل تراجع جديد في سعر العملة الوطنية. عشرة ملايين جنيه تظل عشرة ملايين في الهاتف، لكن قدرتها على شراء السلع أو العملات الأجنبية تنخفض بسرعة. وكل يوم يمر دون قدرة صاحب المال على إستخدامه أو تحويله إلى أصل يحفظ قيمته يعني خسارة إضافية.
وهنا تظهر مفارقة قاسية وهي أن من يملك المال داخل “بنكك” يخسر من قيمة أمواله، ومن يملك الكاش يحصل على فرصة أكبر لشراء الدولار.
إقتصادياً لا يمكن أن تكون هذه سياسة لمحاربة إنهيار الجنيه. فالجنيه لا يفقد قيمته لأن المواطنين يستخدمون “بنكك”، وإنما نتيجة إنهيار الإنتاج، ضعف الصادرات، شح النقد الأجنبي، إتساع الاقتصاد الموازي، الإنفاق المرتبط بالحرب، فقدان الثقة بالعملة الوطنية. وقد أظهرت الوقائع أن اضطراب التطبيقات المصرفية أدى بالفعل إلى زيادة الحاجة إلى السيولة النقدية وأثر في حركة الأسواق وسعر الصرف.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تعطل “بنكك” ؟
السؤال هو من الذي إستفاد من تعطيله؟
إذا كانت النتيجة هي حرمان ملايين المواطنين من إستخدام أموالهم، مقابل منح مجموعات مرتبطة بالسلطة وأمراء الحرب قدرة أكبر على الوصول إلى الكاش وشراء الدولار، فإننا لا نكون أمام سياسة نقدية لمحاصرة المضاربة، وإنما أمام عملية إعادة هندسة للسوق لمصلحة أصحاب النفوذ.
وهذه واحدة من أكثر صور إقتصاد الحرب خطورة أن يتحول النقد الذي تطبعه الدولة إلى أداة لشراء العملة الأجنبية، بينما يتحمل المواطن تبعات التضخم وانهيار الجنيه وتآكل مدخراته، إن حجز أموال المواطنين في ظل هذا الانهيار ليس مجرد مشكلة مصرفية. إنه إقتطاع صامت من القيمة الحقيقية لمدخراتهم.
أما إستمرار هذه السياسة فلن تنقذ الجنيه. بل ستزيد ضعف الثقة بالنظام المصرفي ما يدفع الناس نحو البحث عن شراء الدولار والذهب والسلع ويوسع السوق الموازي، ويجعل الاقتصاد أكثر إرتهاناً لأصحاب الكاش والنفوذ.
باختصار، تعطيل “بنكك” لا يستهدف محاصرة التعامل بالعملة، إنما يستهدف خلق تجار عملة جدد، الدولة توفر لهم الكاش المطبوع، وبذلك تمنحهم إحتكار السوق. هذا هو الهدف الرئيسي من تعطيل التطبيق، إنها فهلوة عقلية الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية يا سادتي.
