كتب- محمد ضياء الدين- يمثل تمدد جماعة الحوثي المدعومة من إيران على الساحل الغربي لليمن، واقترابها من منطقة مضيق باب المندب وبعض الجزر المحيطة به، تطوراً بالغ الخطورة في مسار الصراع الإقليمي. فالمسألة تتجاوز حدود الحرب اليمنية، لأن باب المندب أحد أهم الممرات البحرية التي ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ومن ثم فإن إمتلاك القدرة على تهديد هذا الممر يمنح إيران وحلفاءها ورقة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا اليمنية وتمس الأمن العربي في أحد أكثر مواقعه حساسية.
وتزداد خطورة المشهد عندما يوضع باب المندب في مواجهة مضيق هرمز، “باب السلام”، على خريطة “استراتيجية المضيقين” التي يمكن النظر إليها باعتبارها إعلان حرب بطيئة على الأمن القومي العربي. إذ تمتلك إيران قدرة مباشرة على التأثير في مضيق هرمز، فيما يمتلك حليفها الحوثي قدرة متنامية على تهديد باب المندب. وهنا تصبح الممرات المائية جزءاً من استراتيجية الضغط الإيرانية، وأداة للمساومة والابتزاز من خلال التأثير في أحد أهم شرايين الملاحة البحرية في المنطقة.
هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى. وأي اضطراب في الملاحة عبر المضيقين لا يقتصر أثره على الدول المطلة على البحر، وإنما ينعكس على تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، ويرفع كلفة النقل والتأمين، ويمنح طهران أدوات ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
هذه الاستراتيجية لا تنفصل عن مسار طويل أخذ يتبلور بصورة أكثر وضوحاً بعد احتلال العراق عام 2003. فقد استفادت إيران من إنهيار التوازن الإقليمي الذي كان يمثله العراق، ووسعت نفوذها داخل عدد من الدول العربية عبر القوى السياسية والمسلحة والحلفاء المحليين. ومع مرور الوقت تشكلت دوائر نفوذ امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وأصبح بالإمكان توظيف هذه الدوائر للضغط على الخصوم من أكثر من جبهة وفي توقيت واحد.
وفي اليمن، تطورت العلاقة مع الحوثيين من دعم سياسي وعسكري إلى بناء قدرة محلية تستطيع تهديد واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومع تنامي القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والخبرة العملياتية لدى الحوثيين، أصبح باب المندب جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي، وأصبح الدعم الإيراني لهذه الجماعة عاملاً رئيسياً في تعزيز قدرتها على التأثير في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
وتكتسب هذه التطورات خطورة إضافية بسبب موقع السودان. فالساحل السوداني على البحر الأحمر يمثل امتداداً استراتيجياً مباشراً للمسرح الذي يتحرك فيه النفوذ الإيراني. ومع إستمرار الحرب، وتراجع القدرة على فرض السيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة على الأراضي والسواحل السودانية، تزداد مخاطر استغلال هذه الحالة وتعدد مراكز القوة لفتح منافذ جديدة أمام النفوذ الخارجي.
وتنبع أهمية الساحل السوداني من موقعه في قلب منظومة بحرية مترابطة تمتد من الخليج العربي عبر باب المندب والبحر الأحمر إلى قناة السويس. ولذلك فإن أي اختراق إيراني لهذه الجغرافيا، بصورة مباشرة أو من خلال قوى حليفة، يمكن أن يمنح طهران مساحة أوسع للحركة والمراقبة والضغط، ويضيف بعداً جديداً إلى قدرتها على التأثير في أمن البحر الأحمر.
من هنا فإن الخطر الإيراني على الأمن القومي العربي لا ينبغي اختزاله في البرنامج النووي وحده. الخطر يمتد إلى بناء شبكة نفوذ عسكرية وسياسية داخل الأقطار العربية، وإلى توظيف القوى الحليفة في التحكم بمواقع جغرافية وممرات استراتيجية، وتحويل بعض الأراضي العربية إلى ساحات متقدمة لاختراق الأمن القومي العربي.
إن انتقال النفوذ الإيراني من بناء قواعد نفوذ داخل الأقطار العربية إلى امتلاك القدرة على التأثير في الممرات البحرية الاستراتيجية يمثل تطوراً أكثر خطورة. فعندما تتقاطع القدرة الإيرانية المباشرة في هرمز مع قدرة حلفائها على تهديد باب المندب، يصبح الخليج العربي والبحر الأحمر مجالاً أمنياً مترابطاً، ويصبح أي ضعف أمني في أي قطر عربي ساحلي قابلاً لأن يتحول إلى ثغرة في منظومة الأمن القومي والإقليمي بأكملها.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة ما يجري في باب المندب لا ينبغي أن تنفصل عن قراءة ما يجري في هرمز، ولا عن مسار النفوذ الإيراني الذي بدأ يتوسع بصورة كبيرة بعد احتلال العراق. كما أن الحالة الأمنية في السودان تكتسب أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأن الساحل السوداني يقع على الطريق البحري ذاته الذي يربط باب المندب بالبحر الأحمر وقناة السويس.
إن أمن باب المندب ليس قضية يمنية، وأمن هرمز ليس قضية خليجية فقط، كما أن أمن الساحل السوداني لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر. إنها حلقات مترابطة في جغرافيا الأمن القومي العربي، وأي تمدد إيراني في إحداها يفتح لطهران مجالاً أوسع للتأثير في الأخرى. ومن هنا تتضح خطورة التحول من النفوذ داخل الدول العربية إلى النفوذ في الممرات التي تربط الوطن العربي بالعالم.
