عزمي عبدالرزاق يكتب.. استيقظت اليوم عند الساعة الرابعة صباحاً وكان هذا ما حدث

0

كتب عزمي عبدالرزاق- والبلد الطيب يخرجنباته بإذن ربه- استيقظت اليوم عند الساعة الرابعة صباحاً، كان أذان الفجر قد اقتحم سكون قرية مكركا وتنفس، رأيت قبة السماء فيها رهبة وسكينة، وبقية مما ترك أجدادنا من مآثر، نجوم فضية لامعة، وكواكب وسحب تبدو قريبة وبعيدة جداً.

 

عادت الكهرباء بعد يوم وليلة من الانقطاع، لكن المسجد الكبير لا تنقطع أنواره، تتلألأ مع تلاوة عمنا محمد علي، وكذلك بقية المساجد. ثمة شيخ جديد في الحي الغربي يحاكي الشيخ عبد اللطيف العوض، وأحياناً يتنفس بالمقام الكردفاني، ييدو أنه من تلامذة الشيخ حسين خرسي، أو ربما أطل من خلاوي ود الفادني، لكنه القرآن، ما أعظمه، بأي صوت جاء! لطالما افتقدت صياح الديوك، بمواقيتها البيولوجية الدقيقة.

 

وأنا أهم بالخروج، تلقيت شكوى حول تعدٍّ على دبل 3 وأبو عشرين 4، ترعة بانت، معنونة من قسم الترابي، إلى إدارة الري، وهي مخالفات قديمة قبل أن تؤول إدارة الري إلى مشروع الجزيرة. اتصلت على محافظ المشروع، المهندس إبراهيم مصطفى في الحال، وهو رجل ميداني يعمل في ظروف عصيبة. استمع إلينا وتعهد بحل المشكلة.

 

وبالرغم من شح الأمطار، إلا أن المياه متوفرة في الترع والكنارات والمياجر، لكن الطمي والحشائش تعيق انسياب المياه، والمعادلة كالآتي: المياه متوفرة، لكنها تحتاج إلى آليات نظافة، والآليات تحتاج إلى وقود، والوقود يحتاج إلى أموال، والأموال حبيسة خزائن جبريل إبراهيم. هكذا يمكن تعريف الأزمة الحالية، إلا أنها تبدو أعمق من ذلك، فقد ورثنا في مشروع الجزيرة نظام ري متهالكاً يغطي أقل من نصف المساحة، ولا أعرف لماذا نهمل هذا المشروع، هذا الكنز، ومن يريد له أن يموت؟ ومع ذلك، ثمة معافرة وبارقة أمل، فقد وضعت إدارة المشروع خطة طموحة لاستهداف زراعة 1.2 مليون فدان، لكن على أرض الواقع تراجعت المساحة الفعلية المزروعة في هذا الموسم الصيفي، لتسجل ما بين 150 ألف فدان و 800 آلاف فدان كحد أقصى، وذلك بسبب النقص الحاد في التمويل، وصعوبات الري، فضلاً عن موجة الجفاف وشح الأمطار التي ضربت أجزاء واسعة من الولاية.

 

وهنا رأيت بلدات أجدادي، جديبة، لأول ربما في تاريخ المشروع، وهي مساحات خصبة على أطراف القرى تعتمد على الري الخريفي، الذي كان شحيحاً هذا العام. تكتنز السماء بالسحب وتحاول فك أزرارها، لكنها سرعان ما ترحل، والحال كذلك

«طالأرض في الجزيرة وبدر الله فوق سماهو

يا ساسا يابساحوتة مكوار حبس مياهو

عطشت قبايل أبقوتة

أو كما وصفها القدال، عليه شآبيب الرحمة، ولحليوة عبق السلام.

 

لقد ولدت في هذه الأرض الطينية، بين الترع والقناطر، وسط أسراب السنبر، وطير البقر، وأم قيردون، وعشة أم رشيرش، والقمري، والبودة في خلاهو، والأرضة في بيوتا. وتنامى لديّ إحساس بأن هذه الأرض الطيبة، بناسها وغرسها، تخرج نباتها بإذن ربها، نبعد عنها ونعود إليها في شوق ونلقاهم في تحنان، كان ثلج يذوب في دخيلتك، ذلك دفء العشيرة كما وصفه الطيب صالح.

 

ولا يزال سكانها يجترون مرارات الحرب التي دخلت عليهم على حين غفلة. عشرات المجازر تركت ندوباً عميقة في قلوبهم، من السريحة إلى المعيلق، مروراً بالتكينة الصامدة، والهلالية، وود النورة، وشرق الله البارد. نهب وقتل وانتهاك للأعراض، «زي الحال دا يوم لا كان لا حصل». ولا تزال أكبر مخاوفهم من عدو يتربص بهم الدوائر، ما جعلهم ينفقون مما يحبون على درع السودان، أموالهم وأولادهم، وينظرون إلى آل كيكل بتقدير وافٍ، وفُجعوا في فقد صدام وعشرات الشهداء الأبطال، لكنها أقدار الله والتضحيات.

 

كل شيء غالٍ، غلاء طاحن، يمكن تفسيره بسبب المجهود الحربي والحصار، ولكن يصعب الصبر عليه طويلاً، سيما وأن المشروع، الذي يكفيهم وبقية أهل السودان، إذا وجد الاهتمام وصحّ منا العزم، سيحل الأزمة، والأمر متروك لرئيس مجلس السيادة، إلى جانب الطرق الزراعية في المحليات الثماني، وتحديداً طريق المعليق ـ أبو عشر، وطريق ود السائح، وكذلك طريق الخرطوم ـ مدني، ومعاناة الحركة فيهم، حد أنها بلغت درجة الموت، وبتلك الطرق إذ وجدت من يعبأ، فبها تنفرج الكُرب، ويسلم الراكب، وتكتمل وشيجة الإنسان بالمكان، وهى أول خطوات الإعمار والتنمية وربط مناطق الانتاج بالأسواق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.