قرورة.. “أنتهي المكان قبل أن تنتهي قصة الإنسان”

0

متابعات- الزاوية نت- في تاريخ معسكرات اللاجئين في السودان، كانت نهاية المعسكرات تسير في الغالب عبر مسارين معروفين، إما عودة اللاجئين إلى بلدانهم، فينتهي وجود المعسكر، أو تتراجع أعدادهم إلى مستويات محدودة، فتُدمج المعسكرات أو تُغلق إداريا.. لكن قرورة كانت حالة مختلفة، لم تنته قصتها بأيا من هذين الطريقتين.

 

كان معسكر قرورة، في منطقة جنوب طوكر بولاية البحر الأحمر، أحد معسكرات اللاجئين الإريتريين في شرق السودان، وكان يضم نحو 12,500 لاجئ قبل أحداث عام 1997. ويثبت تقرير للأمين العام للأمم المتحدة أن المعسكر تعرض للاحتلال أثناء العمليات العسكرية التي شهدتها منطقة تلال البحر الأحمر. كما يؤكد التقرير أن بعثة مشتركة ضمت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي، ومعتمدية اللاجئين، زارت المنطقة في يونيو 1997، وتأكدت من أن اللاجئين الموجودين في قرورة كانوا قد عادوا إلى إريتريا أو تفرقوا في الجبال المحيطة.

 

وكانت قرورة في ذلك الوقت جزءا من منظومة إدارية واضحة لمعتمدية اللاجئين. وكان مكتب بورتسودان هو الجهة المعنية بالإشراف على المعسكر، بينما كان السيد عثمان حسن علي، المعروف باسم عثمان سانتو، مدير معسكر قرورة حينها، وكانت السيدة إقبال أبو قصيصة مساعد معتمد اللاجئين ببورتسودان.

 

يوم تغير كل شيء

في عام 1997 وصلت الحرب إلى منطقة قرورة.

ولم تكن النتيجة مجرد انخفاض في عدد سكان المعسكر، وإنما تفكك مجتمع المعسكر نفسه.

وبحسب التقرير الأممي، فإن البعثة المشتركة التي زارت قرورة في يونيو 1997 لم تجد مجتمع اللاجئين قائما كما كان، فقد عاد بعضهم إلى إريتريا، بينما تفرق آخرون في الجبال المحيطة بالمنطقة.

 

لكن الذاكرة المؤسسية لمعتمدية اللاجئين تضيف إلى هذه الصورة تفصيلا مهما وهو أن سكان قرورة لم يعودوا جميعا إلى إريتريا.؟

فقد عاد بعضهم إلى إريتريا، بينما نزح كثيرون إلى داخل السودان، واتجهوا إلى طوكر وسواكن وبورتسودان وغيرها من مناطق ولاية البحر الأحمر وأصبحوا من لاجئ الحضر حسب تصنيف معتمديةاللاجئين.

 

وهنا تكمن خصوصية قرورة. فقد اختفى اللاجئون من المعسكر ولم يختفوا من السودان، هرب كثيرون منهم بحثا عن الأمان المفقود فى المعسكر بعد أن طالته الحرب.

 

إن انخفاض عدد اللاجئين المسجلين في قرورة بعد أحداث 1997 لا يعني بالضرورة أن جميعهم عادوا إلى إريتريا.

ففي تقرير لاحق عن تطورات المنطقة، أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى انخفاض عدد اللاجئين الإريتريين في جنوب طوكر بنحو 12,500 شخص، ووصفت عودتهم إلى إريتريا بأنها عودة يُفترض أنها حدثت بصورة تلقائية. وهذه الصياغة مهمة، لأنها لا توثق عملية عودة منظمة بهذا العدد، وإنما تصف تفسيرا لانخفاض أعداد اللاجئين المسجلين.

 

وفي المقابل، تظهر تقارير النزوح اللاحقة أن قرورة وعقيق ومناطق أخرى من جنوب طوكر كانت من المناطق التي خرج منها نازحون بسبب الحرب، وأن حركة النازحين امتدت إلى طوكر وسواكن وبورتسودان.

 

وهكذا يمكن فهم ما حدث على أنه تفكك لمجتمع المعسكر أكثر من كونه عملية إغلاق إدارية تقليدية.

فقد اتخذ سكان قرورة مسارات مختلفة، عاد بعضهم إلى إريتريا، وتفرق آخرون في المنطقة، ونزح آخرون إلى داخل السودان.

وبعد سنوات، ظهر كثير من هؤلاء في المراكز الحضرية بولاية البحر الأحمر.

 

وهنا تكمن المفارقة ، اختفى المعسكر، لكن اللاجئين لم يختفوا.

لقد اختفى المكان الذي كان يجمعهم ويسجل وجودهم ويوفر لهم الخدمات، بينما استمرت حياة كثير منهم في أماكن أخرى.

ولم تكن نهاية قرورة نهاية للعاملين به من معتمدية اللاجئين.

فلم تفقد المعتمدية أيا من العاملين نتيجة أحداث قرورة.

 

وكان مدير المعسكر عثمان حسن علي «عثمان سانتو» غير موجود في المعسكر يوم وقوع الأحداث.

أما بقية العاملين الذين كانوا موجودين آنذاك، فقد اضطروا إلى اللجوء إلى داخل إريتريا، ثم عادوا إلى السودان بعد عدة أشهر.

وهكذا فإن انهيار المعسكر لم يؤدي إلى فقد العاملين أو انقطاع مسيرتهم المهنية، وإنما كان انقطاعا قسريا ومؤقتا للعمل الميداني في قرورة.

 

وظل السيد عثمان حسن علي يعمل في معتمدية اللاجئين حتى عام 2000، قبل أن ينتقل للعمل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ليواصل مسيرته المهنية في مجال اللجوء من موقع آخر.

لماذا بقيت قرورة مختلفة؟

لأنها لم تكن مجرد معسكر أُغلق.

لم تنته قصتها بعملية عودة منظمة، ولم يكن تراجع الأعداد هو الذي قاد إلى دمجها أو إغلاقها.

لقد مزقت الحرب مجتمع المعسكر نفسه.

ذهب بعض الناس إلى إريتريا.

وتفرق آخرون في المنطقة.

ونزح آخرون إلى داخل السودان.

 

ثم ظهر كثير منهم، بعد سنوات، في طوكر وسواكن وبورتسودان وغيرها من المراكز الحضرية في ولاية البحر الأحمر.

ولهذا فإن قرورة لا ينبغي أن تُسجل في تاريخ معتمدية اللاجئين باعتبارها مجرد «معسكر أُغلق عام 1997».

الأدق أن نقول إن منظومة المعسكر انهارت بفعل الحرب، بينما استمرت قضية سكانه خارج المعسكر، بين العودة إلى إريتريا والنزوح داخل السودان والاستقرار لاحقا في المراكز الحضرية بولاية البحر الأحمر.

 

وهذه هي خصوصية قرورة.

في المعسكرات التي تنتهي بالعودة، يكون اختفاء المعسكر نهاية لمسار اللجوء الجماعي.

وفي المعسكرات التي تنتهي بالدمج، ينتقل اللاجئون من معسكر إلى بيئة استقرار جديدة ضمن عملية إدارية يمكن تتبعها.

أما في قرورة، فقد انتهى المكان قبل أن تنتهي قصة الإنسان.

ولهذا بقيت قرورة، في ذاكرة العاملين في معتمدية اللاجئين، شيئا مختلفا، معسكرا اختفى، لكن آثاره البشرية بقيت حاضرة في شرق السودان لسنوات طويلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.