د. حيدر عبدالحفيظ يكتب طيور أوروبا.. المفارقة الغريبة
كتب د. حيدر عبدالحفيظ – مؤانسة الجمعة- طيور أوروبا- كان أكثر سؤال يؤرقنا كصبية في الماضي: لماذا تظهر في الخريف أنواع الطيور والعصافير بأشكالها المختلفة وأحجامها الكبيرة والصغيرة وألوانها من الأحمر والزهري والأزرق القاتم والرمادي وشديدة البياض، وتختفي جميعها باستثناء عصافير الجنة “أم الجنون” وأبو أبرق؟ مع استبعادنا لخيار أن تنقرض وتخلق مرة أخرى.
ومع مطلع مايو وقبيل يونيو تتهيأ الأرض ويتقلب الطقس وتتساقط أوراق الأشجار وتطلق الأرض روائح مع رذاذ أول المطر بدعاش كأنه يفرز إنزيماً من مخلوق حي لأنثى تتهيأ لتحمل في أحشائها من الأجنة ما تقدمه مرة اخرى لدورة الحياة بعد انقضاء الخريف.
وفي المقابل تتوافد مقدمات طيور اللقلق الأبيض “أم بيوض”، تتبعها طيور السنونو “الكلاية” شديدة اللون الأزرق المائل إلى السواد بحجم أكبر بعض الشيء عن العصافير، ويتجنب صائدو الطيور أكلها. أما طائر الصرد “أبو قير” فله هالة سوداء حول عينه، في حين يكتسي أبو الحناء اللون البرتقالي، وفي العرف المحلي تسمى أنثى أبو الحناء “جلكاية” جُلكة، والذكر “كتكات”.
المفارقة الغريبة التي غابت عنا حينما كنا نصطاد الطير أن هذه الطيور لها موسم هجرة وإقامة في فصل الخريف بالحواتة وبيئات قريبة مشابهة.
ويطيب بها المقام بجنان الرهد وغاباتها الكثيفة بعد أن هاجرت هرباً من صقيع أوروبا وشمال شرقها البارد الذي يطول شتاؤه . وهو شتاء تنعدم فيه الحبوب هناك بجانب كونه فصلاً من فصول السنة تقل فيه الخصوبة والتزاوج. ففي السودان تكون الهجرة بالنسبة للطيور الوافدة هرباً من صقيع الشتاء هناك وبحثاً عن بيئات خصبة للتزاوج ومليئة بالحبوب والحشائش والحشرات التي تقتاتها تلك الطيور المهاجرة.
ومع ما تشكله الهجرة من فائدة تمكنها من حمل ما أخذته معها في رجوعها إلى أوروبا من زاد وحبوب تستقبل بها إقامتها هناك، قبل أن تستأنف موسم العودة والهجرة مرة أخرى في العام القادم.
طيور الخريف كانت من أجمل ما يميز هذا الفصل، وكانت أسواق المدينة يكثر فيها بيع الطيور بألوانها وأشكالها المختلفة. لكن تبدلت الاهتمامات وغاب الصياد، واكتفى الجميع برؤية أسرابها تجوب المدينة من غير أن يعكر صوت تغريدها صائد.
