خبير عسكري يكتب.. لماذا تظل “الكرمك” قفل الزاوية في حرب السودان؟

0

كتب الخبير العسكري محمد مصطفى.. عمق الاستراتيجية في الخاصرة الأفريقية- لماذا تظل “الكرمك” قفل الزاوية في حرب السودان- حين تنظر القوى الدولية إلى خارطة الصراع المعقد في السودان، غالباً ما تتجه الأنظار نحو العاصمة الخرطوم أو إقليم دارفور الشاسع.

 

الحسابات العسكرية

لكن في الحسابات العسكرية والجيوسياسية العميقة، تقبع بلدة صغيرة على الحدود الإثيوبية تُدعى “الكرمك”، تمثل تاريخياً وحاضراً المفتاح الحقيقي للسيطرة على شرق أفريقيا وحوض النيل الأزرق. بالنسبة للجيش السوداني وقوات التمرد على حد سواء، لم تكن هذه المدينة مجرد هدف تكتيكي، بل هي عقدة الارتكاز التي تحدد من يملك صياغة ميزان القوى الإقليمي.

لقد جاء دخول قوات التمرد إلى الكرمك مدفوعاً بوعي استراتيجي دقيق لطبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة إن السيطرة على هذه المدينة تعني عملياً وضع اليد على شريان حدودي حاكم يربط السودان بعمقه الأفريقي، وتحديداً إثيوبيا وجنوب السودان ودول الشرق الافريقي بالنسبة لحركة تمرد تسعى لكسر عزلتها اللوجستية.

 

كانت الكرمك تمثل البوابة الذهبية لتأمين خطوط إمداد بالحدود الشرقيه والحصول على ملاذ آمن عميق، وفرض أمر واقع يمنحها شرعية جغرافية وسياسية أمام المجتمع الدولي كقوة تسيطر على منافذ سيادية. علاوة على ذلك، فإن التواجد العسكري في الكرمك يضع التمرد على مسافة خطرة من سد الروصيرص، وهو شريان الأمن المائي والكهربائي الحيوي للسودان، مما وفر لهم ورقة ضغط وخنق استراتيجي ضد الدولة.

في المقابل، فإن المعركة التي خاضها الجيش لاسترجاع الكرمك لم تكن مجرد عملية لاستعادة السيادة عليها، بل كانت خطوة حاسمة لإعادة تشكيل المشهد العسكري بالكامل. باستعادة المدينة، نجح الجيش في قطع حبل الوريد اللوجستي للتمرد، وتأمين السدود والمنشآت المائية الحيوية في النيل الأزرق التي تمثل خطاً أحمر للأمن القومي. من الناحية السياسية.

 

أعاد هذا الانتصار فرض هيبة الدولة على حدودها الدولية، وأجهض مشروع التمرد الرامي إلى خلق حزام انفصالي أو منطقة عازلة خارج سيطرة الخرطوم. إن نجاح الجيش في تحويل الكرمك من منصة تهديد إلى حصن دفاعي يثبت للمراقبين الدوليين في واشنطن والعواصم الكبرى أن مفاتيح الاستقرار في هذه الرقعة المضطربة من العالم لا تزال بيد الدولة المركزية، وأن العبث بحدود السودان الشرقية هو خطوة محفوفة بالمخاطر قد تفجر القرن الأفريقي بأكمله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.