إحياء الذكرى السنوية لاغتيال والي ولاية غرب دارفور وضحايا الإبـ..ــادة الجماعية في الجنينة
بقلم د.رجاء عبدالله حمد الزبير- تحل في الرابع عشر من يونيو من كل عام الذكرى السنوية لاغتيال والي ولاية غرب دارفور، الأستاذ خميس عبد الله أبكر، الذي قُتل في 14 يونيو 2023 بعد ساعات من مناشدته المجتمع الدولي التدخل لحماية المدنيين في مدينة الجنينة.
كما تمثل هذه المناسبة فرصة لاستذكار آلاف الضحايا المدنيين الذين فقدوا حياتهم خلال الأحداث التي شهدتها ولاية غرب دارفور، وللتأكيد على حقهم في العدالة والإنصاف وعدم الإفلات من العقاب.
ولا تقتصر أهمية هذه الذكرى على بعدها الإنساني والوطني، بل تفرض أيضاً الوقوف أمام الأسئلة القانونية التي تثيرها تلك الجرائم، وفي مقدمتها: هل تستوفي الوقائع التي شهدتها الجنينة أركان جريمة الإبادة الجماعية وفقاً للقانون الدولي؟ وللإجابة عن هذا السؤال، تبرز أهمية المقارنة مع المبادئ التي أرستها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية المدعي العام ضد راديسلاف كرستيتش، التي أصبحت من أهم السوابق القضائية في تفسير جريمة الإبادة الجماعية.
لقد عرفت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 جريمة الإبادة الجماعية بأنها (أي فعل يرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها تلك)، ويشمل ذلك:
· قتل أفراد الجماعة.
· إلحاق ضرر جسدي أو نفسي جسيم بأفرادها.
· إخضاعها عمداً لظروف معيشية يقصد بها إهلاكها كلياً أو جزئياً.
· فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
· نقل أطفال الجماعة قسراً إلى جماعة أخرى.
ويميز القانون الدولي بين جريمة الإبادة وجريمة الإبادة الجماعية.
فالإبادة، بوصفها جريمة ضد الإنسانية، تقوم على القتل أو الإهلاك الواسع النطاق أو المنهجي للسكان المدنيين، دون اشتراط أن يكون الضحايا منتمين إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية معينة.
أما جريمة الإبادة الجماعية فتتطلب، بالإضافة إلى الأفعال المادية، توافر القصد الخاص المتمثل في نية تدمير جماعة محمية، كلياً أو جزئياً، بسبب انتمائها.
وقد أكدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية المدعي العام ضد راديسلاف كرستيتش أن إثبات القصد الخاص لا يقتضي وجود اعتراف صريح، وإنما يجوز استخلاصه من نمط السلوك، وطبيعة الجرائم، واتساع نطاقها، وطريقة تنفيذها، واختيار الضحايا على أساس انتمائهم إلى جماعة معينة.
وعند إسقاط هذه المبادئ على الأحداث التي شهدتها الجنينة، تبرز أوجه تشابه قانونية تستحق الدراسة. فقد وثقت تقارير الأمم المتحدة ولجنة تقصي الحقائق الدولية ومنظمات حقوق الإنسان عمليات قتل واسعة النطاق، وتهجيراً قسرياً، وتدميراً للأحياء السكنية، وأعمال عنف استهدفت بصورة أساسية أفراد قبيلة المساليت على أساس انتمائهم الإثني، إلى جانب استهداف بعض المكونات الأفريقية الأخرى في سياقات مختلفة.
أما الركن الأول، وهو قتل أفراد الجماعة، فقد تجسد في عمليات القتل الجماعي والإعدام خارج نطاق القانون التي أودت بحياة أعداد كبيرة من المدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال وكبار السن.
أما الركن الثاني، والمتمثل في إلحاق ضرر جسدي أو نفسي جسيم بأفراد الجماعة، فقد تجسد في الإصابات البالغة التي لحقت بالناجين، وما تعرضوا له من تعذيب وإساءات ومعايشة مشاهد القتل الجماعي وفقدان أفراد أسرهم، وهي وقائع تترك آثاراً نفسية عميقة وطويلة الأمد، وقد اعتبرت المحاكم الدولية مثل هذه الآثار من صور الضرر الجسيم الذي يدخل في نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية.
ويتعلق الركن الثالث بإخضاع الجماعة لظروف معيشية يراد بها إهلاكها كلياً أو جزئياً. وتظهر الوقائع الموثقة أن الهجمات لم تقتصر على قتل المدنيين، وإنما شملت حرق الأحياء السكنية، ونهب الممتلكات، وتدمير مصادر الرزق، ومنع وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى نزوح جماعي نحو الحدود مع تشاد، وخلق أزمة إنسانية حادة جعلت استمرار السكان في مناطقهم أمراً بالغ الصعوبة.
أما العنصر الأكثر أهمية فهو القصد الخاص، الذي يميز جريمة الإبادة الجماعية عن غيرها من الجرائم الدولية. فهذا القصد لا يفترض، وإنما يستخلص من مجمل الوقائع والظروف. وفي قضية كرستيتش، اعتبرت المحكمة أن استهداف جماعة بعينها، مقروناً بالقتل المنهجي والتهجير القسري وتدمير مقومات الحياة، يمثل قرائن قوية على نية التدمير الجزئي للجماعة.
وفي حالة الجنينة، فإن استهداف أفراد قبيلة المساليت، بحسب ما وثقته تقارير أممية وحقوقية، وما رافقه من قتل وتهجير وتدمير واسع النطاق، يثير تساؤلات قانونية جدية حول مدى توافر هذا القصد الخاص، وهي مسألة يظل الفصل النهائي فيها من اختصاص المحكمة المختصة بعد تقييم جميع الأدلة.
كما يثير تسلسل الوقائع سؤالاً مهماً حول وجود مشروع إجرامي مشترك، إذا ثبت أن الأفعال ارتكبت في إطار خطة هدفت إلى تهجير جماعة إثنية معينة من موطنها التاريخي، من خلال القتل الجماعي، وإثارة الرعب، وخلق ظروف إنسانية قاسية تدفع السكان إلى الفرار، ثم الاستيلاء على مناطقهم. وإذا ثبت ذلك بالأدلة، فإن النتائج التي ترتبت على هذا المشروع قد تشكل دليلاً مهماً على توافر القصد الجنائي الخاص، باعتبار أن هذه النتائج كانت طبيعية ومتوقعة للمشروع الإجرامي.
إن إحياء ذكرى اغتيال والي ولاية غرب دارفور وآلاف الضحايا الأبرياء لا ينبغي أن يقتصر على استذكار المأساة، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بسيادة القانون، واحترام أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وتعزيز التعاون الدولي لضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
كما ينبغي أن تدفع هذه الذكرى المجتمع الدولي إلى مواصلة دعم التحقيقات المستقلة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الجرائم الدولية، وضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وفاءً للمبادئ المستقرة في القانون الدولي، وتأكيداً على أن حماية الجماعات البشرية من جريمة الإبادة الجماعية ليست التزاماً أخلاقياً فحسب، وإنما واجب قانوني يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.
فالوفاء لذكرى والي ولاية غرب دارفور ولآلاف الضحايا لا يكون بالرثاء وحده، وإنما بالتمسك بالعدالة، وصون الذاكرة الوطنية، والعمل على ألا تتكرر مثل هذه المآسي في السودان أو في أي مكان آخر.
