كتب- د. إبراهيم الصديق علي- بالأرقام والإحصاءات حول الذهب السوداني: حقائق تذهل الحكيم.. الحقيقة الأولى.. أن انتاج الذهب خلال أربع سنوات والذي تم رصده وتدوينه يتجاوز 199 طن ، وما تم تصديره 88 طن فقط والمفقود يتجاوز 111 طن تقدر قيمته 18 مليار دولار)، هنا لا نتحدث عن الإنتاج الأهلي وما تم نهبه في مواقع مختلفة وما يتم تهريبه، وإنما الإنتاج المدون فعلياً ، فأين ذهبت بقية الإنتاج ؟.
(1)
سنعطي صورة أخرى مصغرة عن انتاج العام 2025م من الذهب والذي بلغ أكثر من 71 طن وما تم تصديره فقط 17 طن ، وللدقة نحو 17 طن و 706 كيلو جرام والعائد مليار و600 مليون دولار ، أي أن الفاقد من المنتج 53 طن أو ما يوازي 75% من حجم الإنتاج.
تصور دخول أكثر من 6 مليار دولار إلى خزائن بنك السودان المركزي أو البنوك التجارية ، ألا يشكل ذلك إصلاحاً شاملاً للشأن الاقتصادي وهزيمة ارتفاع سعر الصرف من خلال خلق الوفرة وسد الاحتياجات الضرورية ؟
(2)
تقلص انتاج الذهب بسبب الحرب في كافة ولايات السودان عام 2023م وتراجع الإنتاج إلى 23 طن فقط ، وكان انتاج العام 2022م في حدود 41 طن ويبدو لي أن اشراف قيادات المليشيا المجرمة على دورة الاقتصاد ذلك العام ونهب الكثير من الإنتاج ، بل وجدت سبائك ذهب في منازل قيادات المليشيا ، وحتى لدي افراد من لجنة إزالة التمكين.
ما السبب في تراجع الإنتاج إلى ذلك الحجم ، وارتفع الإنتاج إلى 64 طن في العام 2024م وبلغ 71 طناً في العام 2025م ، ومع ارتفاع التوتر في منطقة الشرق الأدنى والحرب على ايران ، فإن الاقبال على الذهب شحيح مع خوف راس المال الدخول في مغامرة ذات قيمة كبيرة ، ومع ذلك فإن الربع الأول من هذا العام 2026م شهد انتاج أكثر من 4 طن من الذهب ، وهذا ناتج وافر لتوفير السلع والمواد الضرورية إذا تم فعلاً توظيفه وتحقيق الغاية منه ، والأمر هنا لا يتجاوز إجراء ترتيبات إدارية وانما قرارات واقعية ومدروسة وتوافقات مع الشركات ورجال الاعمال حول اجراء معالجات لتلافي تداعيات الظرف الاقتصادي الاستثنائي ، خاصة أن الشركات الأكثر تصديراً للذهب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة من بين عشرات الشركات النشطة.
(3)
ثلاث خطوات مهمة لتحقيق فائدة قصوى من ناتج الذهب ، واولها النظر في سياسات البنك المركزي حول حصرية شراء المنتج ، مما أضاع الكثير من الفرص على الشركات والبنوك من تحريك السوق وجذب الكثير من العائدات ، وكذلك معالجة قضية سقف 10 كيلو للمصدرين وهى كمية كبيرة من الصعب على الكثير من الشركات ورجال الاعمال التعامل معها ، مما يؤدي إلى تقليص عدد المصدرين ، ومعلوم أنه كلما توسع عدد المنصات والشركات كلما اتسعت الأسواق ، والنقطة الثالثة هي توسيع قائمة السلع والمواد الضرورية بما يحقق وفرة أكبر في الأسواق ، ويمكن أن يتم دمج البند الثالث والثاني في نسق واحد بحيث تكون لكل حجم صادر توجيهه إلى نوع معين من السلع ، وتركيز السلع الملحة على الشركات الكبرى ، على أن تتولى الشركات الأقل سلع أقل أهمية.
(4)
هذه قرارات ضرورية وعاجلة ويمكن من خلالها كبح تفاعلات سعر الصرف ، لقد تابعنا عودة اللجنة الاقتصادية ، والتي يتراسها الفريق إبراهيم جابر عضو مجلس السيادة ومداولاتها حول سعر الصرف ، وكذلك اجتماع مجلس الوزراء يوم الأربعاء 10 يونيو 2026م ومناقشة هذا الشأن أي صادر الذهب، وكلها تدابير مهمة في معالجة جذر القضية بتحقيق الوفرة من العملة الأجنبية وليس كبح مطلوبات السوق وحظر السلع ، فالقرارات التي أصدرها دكتور كامل ادريس رئيس الوزراء ذات طبيعة انكفائية لا تواكب سياسة التحرير الاقتصادي ، وإنما الأفضل مجابهة تطورات الأسواق بتوسيع المواعين ، وما اوردناه هنا حول ناتج واحد ، وسنأتي لاحقاً ومن خلال معلومات تفصيلية متوفرة في إحصاءات بنك السودان المركزي للنظر في منتجات أخرى ذات قيمة نقدية عالية.
أما على المدى المنظور ، فإن المطلوب معالجة قضايا اصلاح مصافي الذهب وقيام البورصة ، وزيادة الإحاطة بالإنتاج ، فالأرقام الحقيقية أكثر من ذلك بكثير.. وسنعود لذلك في قراءة ثانية إن شاء الله وقبل أن نطوي هذه الوقائع فإن القضية ملحة لدرجة تقتضي تشكيل (خلية ضابطة ومتابعة يومية) ..
