قصة البحث عن جثمان طالب في كسلا من عمق بئر 10 امتار استمر لـ13 ساعة

0

كتب- صديق رمضان- استمرت 13 ساعة بحثًا عن جثمان ابن أختي.. قصة ملحمة كسلاوية.. عند العاشرة من صباح الخميس، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الأستاذ عباس موسى سالم، أخبرني قائلًا: “ولدك متوكل وقع في البئر” لحظتها، كأنما صعقتني كهرباء لم أرد عليه لثوانٍ حتى استوعبت حديثه، ولم أجد غير ترديد: “لا إله إلا الله”، بعد ذلك، فشلت في حبس دموعي، فمتوكل ابن شقيقتي “17” عاما له مكانة خاصة عندي مثلما والدته حب خاص عندي.

 

في العاشرة والنصف صباحًا، وبرفقة الأخ سيف الدين آدم هارون، توجهنا إلى حي كافوري بالضفة الغربية لنهر القاش بمدينة كسلا، وهو من الأحياء الجديدة، حيث كان متوكل يعمل مع والده في حفر أحد الآبار الارتوازية.

 

عند وصولي، علمت أن عمق البئر يبلغ نحو عشرة أمتار، وقد انهار بشكل مفاجئ، وكان متوكل حينها داخله يعمل في الحفر، بينما كان زميلاه في الخارج يرفعان التراب، وكان والده في طريقه لإحضار الإفطار من سوق غرب القاش.

 

في الموقع — وهو منزل جديد غير مكتمل البناء — كان المشهد صامتًا.

وقف رجال الدفاع المدني البواسل وعدد من المواطنين، وقد سيطر عليهم الحزن، عاجزين عن الوصول إلى متوكل، إذ كان على عمق كبير، تعلوه طبقة من التراب تُقدّر بنحو ستة أمتار.

 

بعد اتصالات مكثفة من مدير شرطة الدفاع المدني الرجل الشهم العقيد بدوي، والزملاء الصحفيين، ومكتب والي كسلا، وشركة “إيربا” بقيادة ربانها الإنسان عبدالاله، وصلت آليات ثقيلة إلى الموقع.

 

بدأت المهمة وسط تحديات كبيرة بسبب هشاشة التربة واستمرار الانهيارات، بينما توافد المواطنون من أحياء “كافوري، بانت، وحي العرب”، وكلهم أمل في العثور على متوكل سريعًا.

 

مرت الساعات ببطء شديد في مواجهة قاسية مع الطبيعة.

حتى الخامسة مساءً، واصل سائقو الآليات عملهم المضني، قبل أن يُتخذ قرار بالتحول إلى الحفر اليدوي، بعد أن أسهمت الآليات في تقليل المخاطر وتقريب موقع الوصول، ومنذ تلك اللحظة، بدأت ملحمة إنسانية لن أنساها ما حييت.

 

نساء جلسن على أطراف البئر ينتحبن ويدعون الله، وكأن متوكل ابنهن جميعًا، رجال وشباب توافدوا من كل الاتجاهات، لا يعرفون متوكل ولا أسرته، لكنهم حضروا بدافع إنساني خالص وبشهامة لا مثيل لها.

 

تجاوز عدد الحضور 300 شخص، وشارك أكثر من 50 رجلًا وشابًا في إزالة التراب يدويًا، في ظروف بالغة الخطورة.

نزل بعضهم إلى داخل البئر غير عابئين باحتمال انهيار جديد، بينما اصطف عشرات الشباب في سلسلة بشرية لنقل “الجركانات”.

كان الجميع — مواطنين، دفاع مدني، شرطة، والزملاء الصحفيين على قلب رجل واحد، يجمعهم هدف واحد: إخراج متوكل مهما كان الثمن.

 

كنت أبتهل إلى الله أن يحفظهم من أي مكروه.

وبعد ساعات شاقة من العمل، رسم فيها أهل كسلا لوحة نادرة من الشهامة والإنسانية، بدأت ملامح جسد متوكل في الظهور عند الساعة الثانية عشرة ليلًا.

 

استمر العمل بحذر شديد، وسط تكبير وتهليل، ودموع تختلط بالحزن، لم نجده حيًا كما كنا نأمل، لكن جسده بدا وكأنه توفي قبل لحظات، لم يمسه أذى، كانت لحظة قاسية، لم أستطع تحمل رؤية متوكل، الذي كان يفيض حيوية، جثمانًا هامدًا، “الحمد لله… ولا نقول إلا ما يرضي الله.”

 

عند الثالثة صباحًا، ووري جثمانه الطاهر الثرى بمقابر أبودقن بغرب القاش، بعد اكتمال الإجراءات القانونية، بكل صدق، لا أعرف كيف أكتب أو كيف أجمع شتات الكلمات، لكن اللوحة الإنسانية التي سطرها أهل كسلا، خاصة في أحياء كافوري، بانت، وحي العرب، تفوق الوصف.تفوق حد الأصالة والشهامة والنخوة.

 

جسدوا الأخلاق القيم النبيلة في أبهى صورها، وخففوا عنا ألم الفقد، شكرًا لهم جميعًا، ونسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء.

كما نشكر أهلنا في مصنع سكر الجنيد، الذين كانوا — كعهدهم — حضورًا ومساندة، وساهموا في التخفيف عنا، خاصة عن والدته التي كانت تؤدي واجب مراقبة امتحانات الشهادة السودانية، حيث تم إخفاء الخبر عنها، وكذلك عن الطلاب من الأسرة، حتى لا يتأثروا نفسيًا.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد متوكل بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.