بقلم- د. عبد الله علي إبراهيم- كان الدمج في القوات المسلحة كفراً في عقيدة “حميدتي” فلم يتصالح مع فكرة دمج “الدعم السريع” وحسب، بل ظل يستنكرها أيضاً بغير مواربة.
ملخص
(بدا من عبارة “حميدتي” خلال خطابه الأخير في أوغندا عن جيش السودان الجديد كمن بدأ لا بإحصاء مكسبه من الحرب وحسب، بل ببيان خسارة خصمه البرهان. وموقف “حميدتي” المتأبي على الدمج في القوات المسلحة من المنسي، أو المغضوض عنه، في خطاب الحرب القائمة من جهة تعيين من كانت الحرب عنده هي السياسة بطريق آخر).
جاء محمد حمدان دقلو “حميدتي” خلال خطابه الأخير في أوغندا بحشد من أنصاره بعبارة مر بها مروراً على خطرها في تعيين منشأ الحرب وأية مصلحة انتظر من أشعلها منها. قال إنه سبق أن كان الكلام في مثل “الاتفاق الإطاري” (يناير 2023) الذي أراد إصلاحاً عسكرياً وأمنياً في أعقاب انقلاب العسكريين على الحكومة الانتقالية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2021، عن دمج “الدعم السريع” والحركات المسلحة في القوات المسلحة. “ولكن اليوم كلامنا عن بناء جيش جديد لنج”. وأضاف لقد جاء الحق للفريق ركن عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة. فقد رفض “الاتفاق الإطاري” الذي كان سيدمج “الدعم السريع” في الجيش. وها وقعت الحرب وسيطاول الدمج جيشه نفسه في جيش قومي مهني جديد. وأردف أنهم سيبنون هذا الجيش الجديد بالنسبة والتناسب، أي بتمثيل عادل لكل الجماعات السودانية كل بقدر عدد سكانها. وعلق أنه ستكون لدارفور الغلبة في هذا الجيش “اللنج” لغزارتهم لأنهم مزواجون معددون بينما يكتفي أهل الوسط والنيل بالزوجة الواحدة.
وكان الدمج في القوات المسلحة كفراً في عقيدة “حميدتي”، فلم يتصالح مع فكرة دمج “الدعم السريع” وحسب، بل ظل يستنكرها أيضاً بغير مواربة. وحقيقة موقف “حميدتي” من الدمج مما كشف عنه الخبير القانوني السابق في البنك الدولي سلمان محمد سلمان ضمن كتابه “الدعم السريع: النشأة والتمدد والطريق إلى حرب أبريل 2023” (يونيو 2023)، فقعّد فيه للتكييف القانوني لقوات “الدعم السريع” في الدولة منذ صدور قانونها عام 2017. ووضح منه سهر “حميدتي” الحاذق أن تكون قواته الجيش الثاني في السودان حذو النعل بالنعل مع القوات المسلحة. فلم يقبل إلا مكرهاً ما جاء في مواد من قانون “الدعم السريع” المار ذكره تخضعه للقوات المسلحة في حالتين، أولاهما في حال الطوارئ وضمن مناطق العمليات الحربية، وثانيهما متى قرر رئيس الجمهورية دمجه في القوات المسلحة بحسب الدستور. فلم يقبل “حميدتي” بصيغة الدمج التي جعلها القانون لرئيس الجمهورية دون الجيش. وقال سلمان إن “حميدتي” توقف عندها شهراً بحاله يراجع الحكومة حولها ثم أذعن ليجري توقيع رئيس الجمهورية على المرسوم القانوني. وظل “حميدتي” على كرهه لمادة دمجه تلك حتى سنحت ظروف مواتية بعد ثورة ديسمبر عام 2018 ودولتها الانتقالية التي احتاج الجيش فيها إلى خدماته في التنكيل بها وتبشيعها، ليقبض الثمن، وهو إلغاء المجلس العسكري الحاكم وقتها مادة دمجه بواسطة رئيس الجمهورية بمرسوم دستوري في يوليو 2019، فصارت “الدعم السريع” جيشاً رديفاً عصياً على الدمج.
ومن الجهة الأخرى، لا يعرف المرء عدد المرات التي قال فيها “حميدتي” صراحة إنه لن يخضع للدمج في القوات المسلحة. فعقيدته الراسخة أن “الدعم السريع” جاءت لتبقى. وجهر بعقيدته هذه خلال لقائه مع الإعلامي الطاهر حسن التوم في برنامجه “حتى تكتمل الصورة” عام 2018، أي بعد عام من صدور قانون “الدعم السريع”.
الطاهر: ما مصير “الدعم السريع” بعد انتهاء مهمتها هل تكون جزءاً من الجيش؟
حميدتي: يكون وضعها قوات دعم سريع. تتدرب وتتأهل. هي قوات الآن.
الطاهر: يعني تظل موجودة؟
حميدتي: يعني انتهت المهمة يشيلوها يجدعوها واللا كيف؟
الطاهر: تنضم إلى الجيش.
حميدتي: هي جيش.
الطاهر: تدمج.
حميدتي: هي ليست ميليشيات كي تدمج. هي أصلها قوات.
والترفع عن الدمج مما نقله الدكتور عشاري أحمد محمود عن “حميدتي” أيضاً ضمن كتاب “جنجويد الإمبراطورية” في تأبينه لأحد قادة القوات المسلحة في الرابع من يونيو عام 2021 أعاد فيه ما سبق أن قاله للطاهر حسن التوم في 2018 حرفاً بحرف. فقال خلال تأبينه للفقيد والدعوة إلى حل “الدعم السريع” لا مجرد دمجه يتردد صداها في شوارع الخرطوم الثائرة، إن انشغال الناس بدمج قواته مجرد جهل بنشأتها وأدوارها في الدفاع عن البلد. فقواته، في قوله، قامت لتهدئ من روع دولة، “دولة الإنقاذ” (1989-2019)، خشيت من غزو حركات دارفور المسلحة للخرطوم حتى إنها فكرت في هدم كبري مدينة كوستي الرابط بين الغرب والعاصمة. وقامت قواته بالواجب فما احتاجت الحكومة إلى هدم الكبري. وسأل “حميدتي” إن كان من الرشد حل مثلهم بعد خدماتهم لتلك للبلد، واستنكر هذا الجحود بحقهم “يأكلونهم لحماً ويرمونهم عظماً”.
وخلص “حميدتي” إلى أن كلام دمج الدعم في الجيش بلا طائل لأنها قامت بقانون صادر من برلمان منتخب، وعليه فهي ليست كتيبة أو سرية تدمجها في الجيش متى شئت. وأضاف أنه يخشى أن مثل هذا الكلام عن “الدعم السريع” قد يقود إلى تفرق البلد، وزاد أنه والفريق ركن عبدالفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة سواء بسواء. فتعين البرهان في القوات المسلحة، وهو خريج الكلية الحربية، بقرار من الرئيس السابق عمر البشير كما تعين هو الذي لم يدخل هذه الكلية. فلا يوجد، في قوله، “فريق خلاء”، وهي العبارة التي يصف بها السودانيون أمثاله ممن حمل رتبة فريق بينما لم يتخرج في الكلية الحربية، وفريق “كلية” لأن القرار في كليهما صادر من جهة واحدة.
وبدا من عبارة “حميدتي” خلال خطابه الأخير في أوغندا عن جيش السودان الجديد كمن بدأ لا بإحصاء مكسبه من الحرب وحسب، بل ببيان خسارة خصمه البرهان. وموقف “حميدتي” المتأبي على الدمج في القوات المسلحة من المنسي، أو المغضوض عنه، في خطاب الحرب القائمة من جهة تعيين من كانت الحرب عنده هي السياسة بطريق آخر. من بلغت به السياسة طريقاً مسدوداً لا مخرج منه سوى الحرب؟ ومن كسب، أو سيكسب منها لمشروعه؟
ولم يرمِ “حميدتي” كلمته عن الجيش الجديد الذي أعفاه من الدمج في القوات المسلحة على العواهن، فكان روّج للجيش الجديد في برنامج صدر عنه باسم “رؤية الدعم السريع” (بلا تاريخ) بوجوب “الإقرار بضرورة تأسيس وبناء جيش سوداني جديد من الجيوش المتعددة الحالية بغرض بناء مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة تنأى عن السياسة وتعكس تنوع السودان في قيادتها وقاعدتها وفقاً للثقل السكاني”. كذلك علم بالطبع أن المطلب بجيش جديد “لنج” صار على جدول أعمال طوائف من السودانيين وفي معسكر “لا للحرب” خصوصاً. فصار حل القوات المسلحة عبارة سائغة على ألسنتهم على بينة من سيرتها في الحكم والحرب حتى صارت “ميليشيات كيزانية”، ناهيك عن اكتمال شرورها بخروج “الدعم السريع” نفسها من رحمها.
وكانت أولى ثمار كسب “حميدتي” من الحرب بنجاته من الدمج في الجيش في يناير عام 2024. فإذا طالعت الوثيقة التي وقعها “حميدتي” مع تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) في أديس أبابا في ذلك التاريخ لوجدتها في جانب الإصلاح العسكري والأمني منها مطابقة لما جاء في “رؤية الدعم السريع” عن “قضايا إنهاء الحرب وتأسيس الدولة السودانية”. فكلتاهما دعتا إلى جيش مهني قومي جديد “لنج” خلا من مبدأ دمج أية قوة سواء كانت “الدعم السريع” أو الحركات المسلحة في القوات المسلحة القائمة. فجاء في وثيقة أديس أبابا في المادة الثانية منها ضرورة قيام إصلاح عسكري أمني، إن “القطاع الأمني من القطاعات المهمة في الدولة الحديثة، وعليه يجب تنفيذ برامج شاملة لإعادة بنائه وتأسيسه وفقاً للمعايير المتوافق عليها دولياً، على أن تبدأ هذه البرامج بالتعاطي إيجاباً مع المؤسسات الموجودة حالياً، وعلى أن تفضي هذه العمليات إلى الوصول لجيش واحد مهني وقومي يعبّر عن كل السودانيين وفقاً لمعيار التعداد السكاني ويخضع للسلطة المدنية ويدرك واجباته ومهماته وفقاً للدستور، لتضع حداً لظاهرة تعدد الجيوش (القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة والميليشيات) خارج إطار الجيش المهني القومي الواحد”.
ولم تحتَج “الدعم السريع” في “رؤيتها” إلا إلى ما قل ودل كما رأينا.
وفي النصين، رؤية “الدعم السريع” و”الإطاري” معاً، تساوت الكتل المسلحة وتلاحقت أكتافها، فجميعها سواء في أنها حال “تعدد جيوش” (إعلان أديس أبابا) أو “جيوش متعددة” (رؤية “الدعم السريع”) تنحل في “جيش واحد مهني يعبر عن السودانيين وفقاً لمعيار التعداد السكاني” (اتفاق أديس أبابا) أو في “مؤسسة عسكرية قومية مهنية واحدة… وفقاً للثقل السكاني”. وسيكون مثيراً أن نعرف متى صدرت “رؤية الدعم السريع” لنحسن الحكم عما إذا كانت تلت إعلان أديس أبابا (يناير 2024) فأخذت منه، أو سبقته فأخذ منها. ولكن كسب “حميدتي” من إعلان أديس أبابا أنه تخلص على كل حال من آخر عقابيل الدمج في القوات المسلحة التي سعى الاتفاق الإطاري إلى زجه فيه على مقاومته له بلا هوادة منذ ميلاد “الدعم” عام 2017.
وبعد وقفتنا على عزائم “حميدتي” أن يظل جيشاً ثانياً، صحّ أن نسأل، إن لم يكُن الاتفاق الإطاري (5 ديسمبر 2023) الذي دعا إلى دمج “الدعم السريع” في الجيش، خطة خرقاء اتفقت لقوى الحرية والتغيير (قحت) في حين كان هذا الدمج ما قاومه “حميدتي” بغير هوادة كما رأينا؟ لقد رأى “حميدتي” بالثورة الكتابة على الحيطان، فالثورة لم تقف عند دمج “الدعم السريع” في الجيش الذي سهر هو طويلاً ألا يقع، بل طالبت باستئصاله من الميدان السياسي والحكومي بشعارها “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل. ما في ميليشيات بتحكم دولة”. وهذا “التنمر” على “حميدتي” من الثورة ما دعاه إلى القول ذات مرة إنه لن يبقى مربع اليدين والثوريون “يسنون سكينهم” لذبحه.
ويستغرب المرء لذائعة “قحت” بعد الحرب بأنها كادت بالاتفاق الإطاري أن توفَّق في إنشاء جيش مهني وطني واحد لولا عداوة الإسلاميين حتى أشعلوا الحرب لكي يعودوا للحكم وجروا الجيش معهم في هذا الطريق الدموي. فلو عرفت “قحت” عن مقاومة “حميدتي” الطويلة للحفاظ على استقلالية قواته مما تقدم هنا، لربما أدركت أن اتفاقهم الإطاري هو ما خرجت الحرب من رحمه. فلم يدعُ “الإطاري” إلى دمج “الدعم السريع” في القوات المسلحة وحسب، بل نص أيضاً فيه على منعها كقوة عسكرية نظامية من الاشتغال بالاستثمار في السوق وتلك قصة أخرى تطول.
واحتفلت “قحت”، ولا تزال، بتوقيع “حميدتي” على اتفاقها الإطاري الذي هو بمثابة السكين التي قال هو إن الثوريين يسنونها لذبحه، ولم يتفق لها بعد أنها لم تحسن الذبح. وليس صعباً القول إن توقيع “حميدتي” على “الإطاري” كان مُكاء وتصدية في ملابسات تفكك حلفه مع القوات المسلحة بعد انسداد الأفق أمامهما معاً عقب انقلابهما على الحكومة الانتقالية في أكتوبر عام 2021، علاوة على الضعف الذي غشي “قحت” بعد الانقلاب وتجريدها من الحكم. فكانت اعتزلتها “لجان المقاومة”، جيشها السياسي، وأهانتها في الشارع على مشهد من الناس. وخرج حزب البعث عليها وهي على عتبة مفاوضات “الاتفاق الإطاري”، ناهيك عن الحزب الشيوعي الذي لم يغادرها في منتصف أغسطس عام 2019 وحسب، بل أخذ يعبئ الشارع لإسقاط حكومتها الانتقالية.
وتتهم “قوى الحرية والتغيير” الكيزان بأنهم من أشعل الحرب للعودة للحكم على أنقاض ثورة ديسمبر المجيدة. وقد يصح الاجتهاد، بما رأينا من عزائم “حميدتي” ألا ينحل في القوات المسلحة كما أراد له “الاتفاق الإطاري”، إن لم تكُن “قحت” هي من أشعل الحرب في عجلتها للعودة للحكم بوساطة الوسطاء الدوليين بعدما نفاها عنه انقلاب الـ25 من أكتوبر. وكان اتفاقها الإطاري فطيراً لم ترعَ فيه أن دمج “الدعم السريع” في الجيش الذي دعت إليه كان مطلباً استنكره “حميدتي” وقاومه بقوة لعقد من الزمان. فكان الإطاري بمثابة “المديدة حرقتني” في قول السودانيين عن الفتنة، فالساعي بالفتنة بين الصبيان يملأ يديه بالتراب ويصيح “المديدة حرقتني”، فيكشح أحدهم التراب في وجه آخر وتندلع المشاجرة.
وقول “حميدتي” للبرهان، ما دام أننا كنا في المجاز، إنه بركوب رأسه وامتناعه عن قبول “الإطاري” الذي يندمج به الدعم في جيشه، انتهى به على قول السودانيين إلى حال “تأبها مملحة تأكلها قروض” (أي بلا إدام). فمن رأي “حميدتي” أن الناس تجاوزت بالحرب دمج “الدعم السريع” في الجيش، لينحل الجيش نفسه في جيش جديد “لنج”.
