ماذا يحدث داخل سفارة السودان بالقاهرة؟

0

كتب- محمد عثمان الرضي- من قص الشريط إلى كسر الخواطر… ماذا يحدث داخل سفارة السودان بالقاهرة؟: توجهت صباح الأربعاء السابع عشر من فبراير 2026 إلى مكتب المعاملات والإجراءات المخصص للسودانيين في القاهرة، بدافع مهني بحت، للوقوف على طبيعة الخدمات والتسهيلات التي أُعلن عن تدشينها ضمن مركز خدمي جديد قيل إنه سيخفف معاناة أبناء الجالية.

 

المشهد أمام المبنى كان يوحي بحدث استثنائي؛ حضور رسمي لافت، بدلات أنيقة، ووجوه تتأهب لتوثيق لحظة قص الشريط باعتبارها إنجازًا إداريًا يُضاف إلى سجل البعثة الدبلوماسية.

 

وصل سفير السودان لدى جمهورية مصر العربية، عماد عدوي، وترجل من سيارته متجهًا مباشرة نحو مراسم الافتتاح، في صورة بروتوكولية مكتملة الأركان، كنت أتوقع أن يصاحب هذا التدشين شرح وافٍ لطبيعة المركز، وخدماته الفعلية، وخطته لمعالجة التحديات المتراكمة أمام السودانيين المقيمين في مصر.

 

غير أن الغياب شبه التام لوسائل الإعلام السودانية وصناع الرأي العام أثار تساؤلات حول جدية الانفتاح على الرأي العام، في حدث يفترض أنه موجه أساسًا لخدمة المواطنين.

التقيت بالسفير عماد عدوي للمرة الأولى، فبادر بالنزول من سيارته لمصافحتي قبيل مغادرته، ومازحني قائلًا إنه لو لم ينزل لكتبت أنه تجاهلني، ثم غادر سريعًا.

 

غير أن الموقف الذي طغى على المشهد لم يكن مع السفير، بل مع نائبه، السفير كمال بشير، الذي أبدى غضبًا واضحًا عندما وصفته بأنه “سفير مهني career”، كان قصدي الإشادة بمسيرته المهنية وتدرجه في السلك الدبلوماسي حتى بلوغه درجة سفير، وهو توصيف يحمل معنى التقدير لا الانتقاص.

 

لكن رد الفعل جاء حادًا ومشحونًا، وارتفعت نبرة الحديث بصورة لا تتسق مع طبيعة العمل الدبلوماسي الذي يفترض فيه سعة الصدر وضبط النفس، الدبلوماسية ليست مجرد ألقاب ومراسم، بل سلوك يومي يعكس صورة الدولة في تعاملها مع أبنائها قبل غيرهم، وإذا كان توصيف مهني بسيط يثير كل هذا الغضب، فإن ذلك يدعو إلى مراجعة أعمق لأسلوب التواصل مع الإعلام والمواطنين.

 

الحدث الذي أُقيم تحت شعار خدمة السودانيين، جاء في وقت تشير التقديرات إلى أن نحو ستة ملايين سوداني لجأوا إلى مصر بسبب الحرب، بعضهم عاد إلى السودان، فيما ما يزال ملايين آخرون يقيمون في مصر في ظروف ضاغطة.

هؤلاء يحتاجون إلى خدمات قنصلية مرنة وسريعة، تراعي أوضاعهم الاستثنائية، وتختصر عليهم الوقت والجهد والكلفة.
غير أن المفاجأة أن المركز الخدمي الجديد لا يقدم خدمة استخراج جواز السفر السوداني، وهي الخدمة الأكثر إلحاحًا للمواطنين.

وبذلك يُضطر السودانيون إلى التوجه إلى مقر السفارة البعيد عن وسط القاهرة، قاطعين عشرات الكيلومترات، ومتحملين أعباء المواصلات والانتظار.

 

المعاناة لا تقف عند حدود المسافة، بل تمتد إلى صعوبة التواصل مع مكتب الجوازات بالسفارة.
فمدير مكتب الجوازات، العقيد شرطة وليد سيد، لا يرد بحسب ما عايشته على المكالمات الهاتفية بغرض الاستفسار.

 

وقد أبلغت رئيس هيئة الجوازات والسجل المدني الفريق شرطة عثمان دينكاوي، كما أخطرت مدير الإدارة العامة لشرطة الجوازات اللواء شرطة عبدالمحمود العوض، بوصفهما الجهتين المسؤولتين عن متابعة الأداء.
إن المسؤولية تقتضي الرد على استفسارات المواطنين، والتعامل باحترام مع قادة وصناع الرأي العام، فالتجاهل ليس من سمات الإدارة الرشيدة.

 

السفارة مرفق عام أُنشئ لخدمة المواطن، وليست مؤسسة مغلقة على موظفيها أو ساحة لإظهار الغلظة والشدة، العاملون في سفارة السودان بالقاهرة هم خدام للشعب، لا سادة عليه، ورواتبهم وحوافزهم تُدفع من أموال الدولة التي مصدرها ضرائب المواطن السوداني.

إن النقد هنا ليس خصومة شخصية، بل تعبير عن وجع عام يتردد في أوساط آلاف السودانيين الذين يطرقون أبواب السفارة يوميًا، من قص الشريط إلى كسر الخواطر، تتجلى المفارقة بين الشعارات والواقع، بين صورة الاحتفال ومعاناة الناس.

 

ويبقى السؤال مشروعًا: هل تكون هذه الواقعة بداية لمراجعة جادة لأسلوب الأداء داخل سفارة السودان بالقاهرة، أم يستمر المشهد كما هو، حيث تُقص الأشرطة وتُكسر الخواطر في آنٍ واحد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.