واشنطن تحرك طائرة يوم القيامة في رحلة غامضة.. هل أقترب استخدام النووي؟
رصدت منصات تتبع الملاحة الجوية الدولية، تحركًا استثنائيًا لواحدة من أكثر القطع العسكرية الأمريكية سرية وتحصينًا وهي طائرة القيادة الجوية المتطورة من طراز Boeing E-4B Nightwatch، المعروفة باسم “طائرة يوم القيامة“، برحلة جوية غير معلنة عبرت خلالها أجواء عدة ولايات أمريكية، قبل أن تحط في ولاية جورجيا.
وطرح التحليق الاستثنائي للطائرة في هذا التوقيت الحساس تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء عملية التحليق، فبينما يصفه البعض بالتحرك الاعتيادي لاختبار الكفاءة، يرى آخرون أنه يأتي في إطار التحضير الذي يسبق توجيه الضربة الكبرى ضد إيران.
تفاصيل المسار
وفقًا للبيانات التي وثقتها منصات الرصد الجوي العامة، أظهرت الطائرة التي تحمل الرقم التسجيلي الجوي 74-0787 نشاطًا بدأ من مقرها الرئيسي في قاعدة أوفوت الجوية بولاية نبراسكا، المركز العصبي لأسطول طائرات القيادة الوطنية المنقولة جوًا.
وانطلقت الطائرة شرقًا بسرعة فائقة تجاوزت 1000 كيلومتر في الساعة، محلقة على ارتفاع ثابت بلغ 31 ألف قدم فوق ولايات الغرب الأوسط مثل إلينوي، وإنديانا، وأوهايو.
وعوضًا عن الاستمرار في مسار شرقي تقليدي نحو القواعد المحيطة بالعاصمة واشنطن، أجرت الطائرة انعطافًا حادًا جهة الجنوب فوق شمال ولاية فرجينيا، لتنتهي رحلتها التي استغرقت ساعتين و57 دقيقة بالهبوط في منطقة فورت فالي بولاية جورجيا.
رسالة ردع
وذكرت مصادر مقربة من دوائر القرار في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن تحليق الـ E-4B في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن البيئة الأمنية المتوترة في الشرق الأوسط.
وقالت المصادر في حديثها لـ”إرم نيوز”، إن “الولايات المتحدة تعمد في أوقات الأزمات إلى تحريك أصولها الاستراتيجية المرتبطة بالردع النووي والقيادة والسيطرة لبعث رسائل بصرية للدول المعادية، وعلى رأسها إيران، تفيد بأن قنوات القيادة العليا الأمريكية محصنة وجاهزة لإدارة أي مستوى من مستويات الصراع.
وأضافت المصادر أن الطلعة الجوية تزامنت مع “تحريك موازٍ لشبكات الاتصال الميتة والترددات العالية جدًا (VLF)”، وهي الأنظمة المخصصة للتواصل مع الغواصات الذرية الحاملة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات والموجودة تحت أعماق المحيطات.
وبحسب المصادر، فإن تحليق الطائرة لم يكن مجرد طلعة تدريبية لطيار واحد، بل شملت اختبارًا حيًا لربط مراكز القرار الأرضية بمراكز القيادة الطائرة، بالتزامن مع رصد تحركات موازية لطائرات الاستطلاع الإلكتروني من طراز RC-135 وجولات جمع المعلومات الاستخباراتية في مناطق قريبة من المسارح العملياتية الحيوية.
سيناريوهات “الضربة الثانية”
حظيت عملية تحليق الطائرة في واشنطن بمتابعة دقيقة من مراكز الأبحاث العسكرية والاستراتيجية.
وأشار تقرير صادر عن معهد دراسات الحرب (ISW) إلى أن تحليق طائرة “يوم القيامة” يمثل استعراضًا كلاسيكيًا لـ”قدرة الضربة الثانية”.
ويرى المعهد أن إيران، عبر تطوير قدراتها الصاروخية ومسيراتها بعيدة المدى والتلويح بضرب المصالح الأمريكية، تحاول فرض معادلة اشتباك جديدة.
وفي المقابل، ترد واشنطن بالتلويح بأدوات القيادة القادرة على النجاة من أي هجوم مفاجئ، مما يعني إحباط أي حسابات إيرانية خاطئة قد تظن أن شل مراكز القيادة الأرضية في واشنطن أمر ممكن.
من جانبه، قدم معهد بروكينغز قراءة ركزت على البعد السيكولوجي للأزمة، واصفًا التحليق بأنه “دبلوماسية الطائرات الاستراتيجية”.
وأوضح المعهد أن إدارة الأزمات مع طهران بلغت مرحلة حافة الهاوية، حيث تصبح التحركات العسكرية داخل الأراضي الأمريكية جزءًا من أدوات التفاوض والضغط الخارجي.
ووفقًا لتقديرات المعهد، فإن البنتاغون يدرك أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية وحلفاءها يراقبون بدقة مسارات هذه الطائرات، وبالتالي فإن إتاحة بيانات الرحلة على الرادارات العامة (وليس تشفيرها بالكامل) كانت خطوة مقصودة لإيصال الرسالة دون الحاجة لإصدار بيان سياسي قد يؤدي إلى تصعيد دبلوماسي مباشر.
رسائل للداخل
من جانبه، يرى المحلل السياسي جبران سليم الدُرّة، أن للرحلة أبعادًا تتجاوز التهديد العسكري المباشر لطهران، فمن جهة، تعد هذه الخطوة رسالة طمأنة للداخل الأمريكي بأن آليات القيادة والسيطرة الوطنية في أعلى مستويات الجاهزية، وسط تقارير استخباراتية تتحدث عن “تهديدات إيرانية غير تقليدية” قد تستهدف مصالح حيوية.
وأكد في تصريح لـ”إرم نيوز” أن تحريك طائرة الـ E-4B، بالتزامن مع تعزيز الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وإرسال قاذفات ومقاتلات إضافية، يهدف إلى إثبات أن الولايات المتحدة لم تنكفئ على ذاتها، وأنها مستعدة لإدارة صراع واسع النطاق إذا ما أقدمت طهران على خطوة تصعيدية كبرى، مثل تسريع وتيرة برنامجها النووي أو شن هجمات واسعة النطاق عبر شبكة وكلائها في المنطقة.
طائرة واحدة.. وظائف متعددة
تظل طائرة Boeing E-4B Nightwatch، ببدنها الضخم المعتمد على طائرة تجارية من طراز 747 ولكن بأنظمة مصفحة ضد النبضات الكهرومغناطيسية ومحمية من الإشعاعات النووية، الأداة الأقوى في ترسانة القيادة الأمريكية لإدارة اللحظات الأخيرة للبشرية.
وسواء كانت رحلتها الأخيرة فوق ولايات الشرق والجنوب الأمريكي مجرد اختبار روتيني للمحركات والأنظمة الإلكترونية، أو كانت تحركًا عملاتيًا مرتبطًا بالغليان المستمر على خط واشنطن-طهران، فإن النتيجة السياسية واحدة: لقد نجحت “طائرة يوم القيامة” في تذكير جميع الأطراف الدولية، وفي مقدمتهم القيادة في إيران، بأن السيطرة على الأجواء والقدرة على إدارة الحروب من فوق السحاب لا تزال الورقة الرابحة التي تشهرها واشنطن كلما اقتربت نذر المواجهة الكبرى.
المصدر: وكالة إرم نيوز
