حكاية مكالمة هاتفية و حوار مع ساموراي.. ضابط منشق حديثًا

0

كتبت- رشان أوشي- حكاية مكالمة هاتفية و حوار مع ساموراي- من بين الذين انشقوا عن مليشيا الدعم السريع وانضموا إلى صفوف القوات المسلحة، هناك قائد واحد أشهد له بأنه كان “ساموراي” بمعنى الكلمة وحتى لا يفسر حديثي في سياق البروباغندا أو المبالغة، سأروي لكم وقائع عشتها بنفسي، وشهادتي فيها ليست نقلاً عن أحد، بل تجربة شخصية أضعها أمام الرأي العام.

 

في أحد نهارات رمضان الماضي، أيقظتني صحفية صديقتي كانت تقيم معي آنذاك، وأخبرتني أن شخصاً يريد التحدث إليّ عبر مكالمة هاتفية على الإنترنت عرفني محدثي بنفسه قائلاً: إنه المقدم في الدعم السريع محمد ازرق الفنجري، قائد المهام الخاصة بالدعم السريع و أحد أبناء المسيرية.

 

ترددت في الحديث إليه لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد مكالمة مع شخص ينتمي إلى مليشيا تخوض حرب ضد الدولة، بل كنت مدركة لحساسية التواصل معه وما قد يترتب عليه من تبعات قانونية أبلغت صديقتي صراحة أن هذه المكالمة قد تضعني في موضع مساءلة بموجب القانون الجنائي، لكنها أكدت لي أنه قريبها، وأنه يرغب في التحدث إلي بإلحاح.

 

بعد التحايا، أخبرني الفنجري أنه لا علاقة له بمشروع الدعم السريع، وأن وجوده داخل المليشيا لا يعني تبنيه لمشروع آل دقلو، بل إنه يؤدي واجباً وطنياً سأدرك حقيقته في المستقبل، إن مد الله في الآجال.

 

استقبلت حديثه بشيء من التحفظ فالكلمات، مهما بدت مقنعة، لا تكفي وحدها لإثبات النوايا، خصوصا حين تصدر عن قائد موجود في عمق تشكيل عسكري يخوض حرب ضد القوات المسلحة.

 

مرت الأيام، ثم اتصل بي مجدداً، هذه المرة عبر رقمي الخاص تجاذبنا أطراف الحديث، قبل أن يؤكد لي أنه بالفعل أحد قادة الدعم السريع، لكنه يستعد للانضمام إلى القوات المسلحة، وأن قناعته بمشروع آل دقلو قد حسمت منذ وقت مبكر.

 

كان يرى الفنجري أن هذا المشروع لا يخدم المسيرية، ولا يعبر عن مصالحهم الحقيقية، وأن كثيراً من أبناء قبيلته تدفعهم الحمية القبلية إلى الاصطفاف خلفه، دون إدراك للعواقب التي قد تترتب على مستقبلهم ومستقبل الإقليم بأكمله.

 

بحسب ما شرحه لي، فإن آل دقلو يستثمرون في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي تعيشها مناطق المسيرية، ويقدمون للشباب والزعامات الأهلية وعود براقة، من بينها منحهم نصف إيرادات النفط، إلى جانب تأسيس نظام حكم في إقليم كردفان تكون للمسيرية فيه السيادة والنفوذ.

 

كانت تلك الوعود، كما يروي الفنجري، مدخل لاستقطاب قطاعات من الشباب الذين لم تترك لهم البطالة وغياب فرص التعليم والعمل خيارات كثيرة. وحين تضيق سبل العيش، يصبح الشاب أكثر عرضة للانخراط في مشاريع لا يدرك بالضرورة حقيقتها، وقد يجد نفسه وقود لحرب لا تخدم مصالحه ولا مصالح مجتمعه.

 

لم يكن الفنجري يتحدث عن المسألة من زاوية عسكرية فحسب، بل من منظور سياسي واجتماعي أوسع. كان يرى أن نهوض الأقاليم السودانية بمعزل عن الدولة المركزية يكاد يكون مستحيلاً في ظل التعقيدات التاريخية والسياسية التي تحكم السودان، وأن الحل لا يكمن في تفكيك الدولة أو استبدال مركز بآخر، وإنما في بناء مشروع وطني عادل يعترف بحقوق الأقاليم ومجتمعاتها في السلطة والثروة والتنمية.

 

وفي تقديره، فإن أهله من المسيرية ضحايا لطرفين: دولة مركزية أهملتهم طويلاً، ولم تنظر إليهم باعتبارهم قوة اجتماعية فاعلة في المشروع القومي، وحرمت مناطقهم من نصيب عادل في الثروة النفطية، رغم أن البترول يخرج من أرضهم، دون أن تنعكس عائداته بالقدر المطلوب على التنمية والخدمات وأوضاع المواطنين.

 

عند هذه النقطة، باغته بسؤال مباشر:هل يستطيع حميدتي وأشقاؤه أن ينتصروا لكم باعتباركم قوة اجتماعية صاعدة في السودان؟

جاءت إجابته مقتضبة، لكنها كانت كافية لتكشف لي كيف ينظر الرجل إلى طبيعة المشروع الذي وجد نفسه في قلبه.قال: “حميدتي لا يريد شعب، بل يريد وقود لحربه الشخصية ضد البرهان”.

 

لم تكن العبارة مجرد موقف من قائد تجاه قائده، بل كانت خلاصة رؤية سياسية ترى أن الشعارات التي رفعتها المليشيا وحلفاءها السياسيين باسم التهميش وحقوق الأقاليم قد تتحول إلى غطاء لمشروع شخصي، وأن المظالم الحقيقية التي عانت منها المجتمعات المحلية يمكن استغلالها لتجنيد أبنائها في حرب لا يملكون قرارها، ولا يضمنون أن تكون لهم فيها غاية أو نهاية.

 

استمر التواصل بيننا على فترات متباعدة، ثم انقطع لأسباب تخصه. لم أكن أثق بكل ما يقوله، ولم أتعامل مع وعوده باعتبارها حقائق محسومة. لكنه ظل يكرر أنه يؤدي مهمة وطنية، وأن الأيام ستثبت لي ذلك.

 

ثم مضت الأيام، وانشغلت عنه، ولم ألتفت إلى غيابه أو أتساءل عن مصيره. وقبل أسبوعين، فوجئت بخبر انشقاق محمد ازرق الفنجري عن الدعم السريع وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة.

 

عندها فقط، استعدت تفاصيل تلك المكالمات القديمة، وعبارته المتكررة عن المهمة الوطنية التي كان يقول إنه يؤديها، وعن اليوم الذي سأقتنع فيه بصدق ما يذهب إليه.

 

لا أروي هذه الوقائع لأمنح الرجل صك براءة من كل ما قد يكون ارتكبه، ولا لأحكم على تجربته العسكرية والسياسية قبل أن تتضح تفاصيلها كاملة. لكنني أرويها لأن ما سمعته منه قبل انشقاقه يطرح أسئلة مهمة عن طبيعة الصراعات داخل الدعم السريع، وعن القادة الذين قد يكونون قد أدركوا مبكراً أن المشروع الذي انخرطوا فيه لا يمثل مصالح مجتمعاتهم، وأن الحرب التي يخوضونها ليست بالضرورة حربهم.

 

وإذا كان لا بد من استدعاء نموذج “رأفت الهجان” في هذه القصة، فإنني أجد في تجربة محمد الفنجري ما يستحق التوقف عنده، لا لمجرد أنه انشق وانضم إلى القوات المسلحة، بل لأن حديثه معي سبق انشقاقه، ولأنه كان يعلن بوضوح موقف مناقض للمشروع الذي كان يعمل في داخله.

 

إن كان الفنجري قد أدى بالفعل أدوار استخبارية لصالح الدولة، كما قد توحي بعض تفاصيل تجربته، فإن ذلك يستحق التحقق والتوثيق والتقييم المؤسسي، بعيداً عن المبالغة أو الدعاية. فالدول تنهض بالقدرة على قراءة الخصوم، وفهم المجتمعات، واختراق المشاريع التي تستغل مظالم الناس لتوظيفهم في حروب الآخرين.

 

وفي بلد أنهكته الحرب، تظل الحقيقة الأهم أن أبناء الأقاليم المهمشة ليسوا وقود أبدي لصراعات السلطة، وأن حقوق المسيرية وسائر المجتمعات السودانية لا ينبغي أن تكون رهينة لوعود قادة المليشيات، ولا منة من الدولة المركزية، بل حقوق أصيلة في دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها.

 

تلك شهادتي عن محمد الفنجري، كما عرفته من خلال تلك المكالمات، وكما قرأت دلالات انشقاقه لاحقاً. أما ما وراء التفاصيل، وما إذا كانت هناك أدوار أخرى لم يتم الكشف عنها بعد، فذلك شأن يحتاج إلى توثيق أوسع .

محبتي واحترامي

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.