كتب د. إبراهيم مطر – خبير الشؤون الأمنية والعلاقات الدولية.. إلغاء رخصة بنك أبوظبي الإسلامي في السودان: تصعيد اقتصادي في ظل الأزمة السودانية الإماراتية- يمثل قرار بنك السودان المركزي إلغاء رخصة فرع بنك أبوظبي الإسلامي وتعيين مصفٍّ رسمي له تطورًا مهمًا في مسار العلاقات السودانية الإماراتية، لا سيما في ظل التوتر السياسي والدبلوماسي المتصاعد بين البلدين منذ اندلاع الحرب في السودان. ولا يمكن قراءة هذا القرار باعتباره إجراءً مصرفيًا معزولًا عن سياقه السياسي، بل ينبغي النظر إليه ضمن شبكة أوسع من التفاعلات التي تتداخل فيها الاعتبارات السيادية والاقتصادية والأمنية.
أولًا: الرسائل السياسية وراء القرار
تتمثل إحدى الدلالات الأساسية للقرار في أن السلطات السودانية تسعى إلى استخدام الأدوات الاقتصادية والمؤسسية المتاحة لها للتعبير عن موقفها من الخلاف مع دولة الإمارات. فالقطاع المصرفي يرتبط مباشرة بالسيادة المالية للدولة، كما أن القرارات التنظيمية المتعلقة بالمؤسسات الأجنبية قد تحمل رسائل سياسية تتجاوز آثارها الإدارية المباشرة.
ومع ذلك، فإن تحديد ما إذا كان القرار عقوبة سياسية مباشرة أم نتيجة لمخالفات مصرفية أو اعتبارات تنظيمية يتطلب الاطلاع على الحيثيات الرسمية التي استند إليها البنك المركزي. فالتحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين الدلالات السياسية المحتملة والأسباب القانونية المعلنة.
ثانيًا: الاقتصاد في قلب الصراع الدبلوماسي
تؤدي المصارف دورًا محوريًا في حركة التجارة والتحويلات والاستثمار وتمويل الأنشطة الاقتصادية. ولذلك، فإن إنهاء نشاط مؤسسة مصرفية مرتبطة بدولة تشهد علاقاتها مع السودان توترًا حادًا قد تكون له انعكاسات على الثقة الاستثمارية والتعاون الاقتصادي، وإن كان حجم هذه الانعكاسات يتوقف على طبيعة عمليات الفرع وحجم ارتباطاته بالسوق السودانية.
وفي بلد يعاني أصلًا من تداعيات الحرب، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتضرر المؤسسات المالية، تبرز الحاجة إلى الموازنة بين حماية السيادة الوطنية والمحافظة على استقرار النظام المصرفي وحقوق المودعين والمتعاملين، إن وُجدوا، وضمان تسوية الالتزامات وفق القانون.
ثالثًا: هل نحن أمام تصعيد اقتصادي متبادل؟
من الممكن أن يُقرأ القرار باعتباره جزءًا من تصعيد يتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي إلى المجال الاقتصادي. غير أن اعتباره بداية مواجهة اقتصادية شاملة بين الخرطوم وأبوظبي يظل استنتاجًا يحتاج إلى مؤشرات إضافية، مثل اتخاذ إجراءات مماثلة، أو فرض قيود تجارية ومالية، أو صدور مواقف رسمية متبادلة تؤكد هذا الاتجاه.
فالقرارات الاقتصادية، عندما تُستخدم في سياق النزاعات السياسية، قد تتحول إلى أدوات ضغط، لكنها قد تفضي أيضًا إلى تضييق قنوات الاتصال وتقليص فرص التسوية. ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كان القرار يمثل تصعيدًا، بل ما إذا كان سيؤدي إلى تغيير فعلي في مواقف الأطراف أو سيضيف تعقيدًا جديدًا إلى الأزمة.
رابعًا: السيادة الوطنية بين الحزم والحسابات الاستراتيجية
من حق الدولة السودانية تنظيم عمل المؤسسات المصرفية داخل أراضيها، ومحاسبتها وفق القوانين واللوائح النافذة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية نظامها المالي. لكن فاعلية هذه القرارات تُقاس أيضًا بوضوح أسسها القانونية، وشفافية تنفيذها، وقدرتها على تحقيق أهداف محددة دون إلحاق أضرار غير ضرورية بالاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، فإن استمرار التوتر السوداني الإماراتي يفرض على الطرفين إدراك أن القطيعة السياسية والاقتصادية لا تعمل في فراغ؛ إذ تتأثر بها مصالح رجال الأعمال والمستثمرين والمواطنين، كما قد تنعكس على فرص إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار بعد الحرب.
خامسًا: الحاجة إلى مقاربة سودانية شاملة
إن التعامل مع الخلافات الخارجية يتطلب رؤية استراتيجية تجمع بين حماية السيادة الوطنية، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية، وصيانة المصالح الاقتصادية، وتجنب القرارات التي لا تستند إلى تقييم واضح لمكاسبها وتكاليفها. كما يتطلب تحديد الأهداف التي تسعى الخرطوم إلى تحقيقها: هل تتمثل في الردع السياسي، أم حماية النظام المصرفي، أم ممارسة ضغط دبلوماسي، أم الجمع بين هذه المسارات؟ إن وضوح الأهداف من شأنه أن يجعل القرار أكثر فاعلية، وأن يتيح قياس نتائجه بدل الاكتفاء برمزيته السياسية.
خاتمة
إن قرار إلغاء رخصة فرع بنك أبوظبي الإسلامي وتعيين مصفٍّ رسمي له يفتح فصلًا جديدًا من التساؤلات بشأن مستقبل العلاقات السودانية الإماراتية، ويكشف عن تداخل متزايد بين السياسة والاقتصاد في ظل الحرب السودانية. لكن الأهمية الحقيقية للقرار لن تتحدد بمجرد صدوره، وإنما بما سيترتب عليه من نتائج قانونية واقتصادية ودبلوماسية.
فالسودان يحتاج إلى حماية سيادته ومصالحه الوطنية، كما يحتاج في الوقت ذاته إلى الحفاظ على ما تبقى من مؤسساته الاقتصادية والمالية، وتوسيع خياراته الدبلوماسية، وتجنب تحويل الخلافات السياسية إلى أعباء إضافية على شعب أنهكته الحرب. وتظل الحكمة الاستراتيجية في القدرة على الجمع بين الحزم في المواقف، والدقة في الحسابات، والانفتاح على الحلول التي تحفظ الحقوق والمصالح الوطنية.
