البرقيق بعد حريق السوق.. من وجع الفقد إلى تضافر الجهود

0

كتب- فضل كمال الدين- ليست الحرائق مجرد ألسنة لهب تلتهم الممتلكات بل هي لحظات قاسية تختبر قدرة المجتمعات على التكاتف، وتكشف في الوقت ذاته عن حجم الاحتياجات التي ينبغي التعامل معها حتى لا تتكرر الخسائر أو تتضاعف آثارها.

 

وفي هذا السياق تستيقظ محلية البرقيق على وقع حادثة مؤلمة، بعد أن التهم حريق سوق المدينة 42 كشكاً مخلفاً خسائر مادية موجعة لأصحابها الذين تمثل هذه الأكشاك بالنسبة لكثير منهم مصدر رزقهم ووسيلة إعالة أسرهم. وإزاء هذه الفاجعة، نتقدم بخالص المواساة إلى المتضررين، ونسأل الله أن يعوضهم خيراً، وأن يخفف عنهم وطأة هذه الخسارة، وأن يجعل ما أصابهم بداية لتكاتف الجهود وفتح أبواب التعافي وإعادة البناء.

 

من دنقلا إلى البرقيق.. تحديات المسافة وضرورة الجاهزية

لقد شهدت عملية التدخل في الحريق تحرك قوات الدفاع المدني من محلية دنقلا، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن مدينة البرقيق، في ظل عدم وجود عربة إطفاء متمركزة بالمدينة وقت الحادث. وهي مسافة تضعنا أمام حقيقة مهمة تتعلق بطبيعة الاستجابة للطوارئ؛ فكلما اقتربت وسائل التدخل من مواقع المخاطر، ازدادت فرص الوصول المبكر والحد من اتساع الخسائر.

 

ومن الإنصاف هنا أن نوضح أن غياب عربة الإطفاء داخل البرقيق لا يعني غياب الاستجابة من قوات الدفاع المدني، فقد جرى التدخل من دنقلا، لكن الحادثة أعادت إلى الواجهة الحاجة الملحة إلى وجود إمكانات ميدانية ثابتة بالقرب من المواطنين والأسواق والمنشآت الحيوية.

 

وفي خطوة تستهدف تعزيز التغطية الميدانية خُصصت عربة جديدة من العربات التي جرى تدشينها مؤخراً لقوات الدفاع المدني بالولاية الشمالية، لتكون ضمن الترتيبات الرامية إلى تعزيز خدمات الإطفاء والاستجابة بمحلية البرقيق.

 

غير أن توفير العربة، على أهميته، لا يمثل وحده اكتمال منظومة الحماية إذ إن الجاهزية الفعلية تتطلب أيضاً مقراً مناسباً، وقوى عاملة، ومعدات مساندة، وإمدادات تشغيلية، وترتيبات تضمن استمرارية الخدمة وسرعة التحرك عند وقوع الحوادث.

 

قطعة الأرض موجودة.. والخطوة التالية هي البناء

تتمثل إحدى أبرز القضايا التي كشفت عنها الحادثة في أن محلية البرقيق لا تزال تفتقر إلى مقر للدفاع المدني رغم التصديق بقطعة أرض مخصصة لهذا الغرض. وهذه خطوة تأسيسية مهمة، لكنها تحتاج إلى أن تتبعها خطوات عملية حتى يتحول التصديق إلى مبنى قائم يقدم خدماته للمواطنين.

 

إن وجود قطعة الأرض يمثل بداية متاحة للبناء، وتخصيص عربة إطفاء جديدة يمثل فرصة لتعزيز الإمكانات الميدانية، وما بين الخطوتين تبرز الحاجة إلى تضافر الجهود لاستكمال بقية متطلبات التأسيس.

 

وهنا لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات أو البحث عن جهة لتحميلها المسؤولية وحدها، بقدر ما ينبغي أن يتجه إلى سؤال أكثر أهمية وهي كيف يمكن توحيد الإمكانات والجهود حتى يصبح للبرقيق مقر للدفاع المدني قادر على حماية الأسواق والأحياء والمرافق العامة، وتقديم خدماته بصورة مستمرة؟

 

المسؤولية المشتركة.. المجتمع والحكومة في خندق واحد

إن إكمال تأسيس مقر الدفاع المدني بالبرقيق مسؤولية تستدعي شراكة عملية بين حكومة المحلية وأهل البرقيق، كلٌّ من موقعه وإمكاناته.

فالحكومة المحلية معنية بقيادة جهود التنسيق، ومتابعة الإجراءات الإدارية والفنية، والعمل على توفير الدعم الممكن لإكمال البناء، إلى جانب التنسيق مع حكومة الولاية والجهات المختصة لاستيفاء متطلبات إنشاء المقر وتشغيله.

 

وفي المقابل يستطيع أبناء البرقيق داخل المحلية وخارجها الإسهام في هذه المبادرة عبر جهد شعبي منظم، ولجنة مجتمعية واضحة المهام تتولى حشد المساهمات الطوعية، والتنسيق مع الجهات الحكومية ومتابعة مراحل التنفيذ، بما يضمن الشفافية وتوجيه الموارد إلى الغرض المحدد.

 

ولا يعني ذلك تحميل المواطنين أعباء المسؤولية الحكومية، وإنما الاستفادة من روح التكافل التي عُرف بها المجتمع السوداني وجعلها قوة مساندة للجهد الرسمي حتى تتضافر الإمكانات لتحقيق هدف يخدم الجميع.

 

ويمكن أن تبدأ الخطوة العملية بعقد اجتماع يضم حكومة المحلية، وقيادة الدفاع المدني بالولاية، وممثلي التجار، والإدارة الأهلية، وأبناء المنطقة، لوضع خطة واضحة تتضمن تقدير تكلفة البناء، وتحديد المساهمات الممكنة، وترتيب الأولويات، ووضع جدول زمني للتنفيذ، مع إعلان ما يتحقق من مراحل المشروع للرأي العام.

 

من خسارة السوق إلى حماية المستقبل

إن احتراق 42 كشكاً ليس رقماً عابراً في سجل الحوادث، فخلف كل كشك قصة كفاح وأسرة تعتمد على دخل يومي وتاجر يسعى إلى توفير إحتياجات بيته. ولذلك فإن مواساة المتضررين لا تكتمل بالكلمات وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى مساندة إنسانية ومجتمعية، وإلى جهود جادة تساعدهم على تجاوز آثار الحريق واستعادة مصادر أرزاقهم.

 

وفي الوقت ذاته، فإن حماية البرقيق من خسائر مماثلة في المستقبل تتطلب النظر إلى الحادثة باعتبارها مناسبة لمراجعة احتياجات السلامة في السوق، وتحسين وسائل الوقاية، وتنظيم التوصيلات الكهربائية ومصادر الاشتعال وتوفير معدات الإطفاء الأولية، ورفع وعي التجار بكيفية التعامل مع الحرائق في لحظاتها الأولى.

 

فالدفاع المدني ليس مجرد عربة تصل بعد اندلاع النيران، بل منظومة متكاملة تبدأ بالوقاية، وتمر بالاستعداد والتوعية، وتنتهي بالتدخل والإنقاذ ومساندة المتضررين.

البرقيق تستحق أن تكون أكثر استعداداً

إن الرسالة التي ينبغي أن تخرج بها البرقيق من هذه المحنة ليست الاستسلام للحزن ولا الاكتفاء بتسجيل الخسائر، وإنما تحويل الألم إلى عمل والحاجة إلى مشروع، والتعاطف إلى مبادرة قابلة للتنفيذ.

 

لقد تحركت عربة الدفاع المدني من دنقلا، وقطعت نحو 70 كيلومتراً للوصول إلى موقع الحريق، كما خُصصت عربة جديدة لتعزيز خدمات الدفاع المدني بالبرقيق، وتوجد قطعة أرض سبق التصديق بها لإقامة المقر. وهذه معطيات تتيح البناء على ما تحقق، والانتقال إلى الخطوة التالية وهي استكمال تأسيس المقر وتجهيزه ليصبح نقطة ارتكاز لخدمات الإطفاء والإنقاذ والسلامة بالمحلية.

 

فلنجعل من هذه الحادثة مناسبة لتوحيد الجهود، ولتكن حكومة المحلية في مقدمة المبادرة، وأهل البرقيق شركاء في إنجاحها، بالتنسيق مع قيادة الدفاع المدني وحكومة الولاية والجهات ذات الصلة فالأسواق لا تحميها الأمنيات، والمدن لا تصبح أكثر أماناً إلا بالتخطيط والاستعداد والعمل المشترك.

المصدر

الشمال بوست

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.