تفاصيل جديدة عن 4 ضربات جوية استهدفت نيالا.. حقيقة ما جرى

0

كتب المهندس أيمن شرارة- غياب شبه تام للإعلام والنشطاء عن حقيقة ما يجري داخل إقليم دارفور، ونيالا وتعتيم إعلامي خطير جعل الإقليم معزولًا عن العالم، وأصبح المواطن عاجزًا عن نقل ما يحدث أمام عينيه، حتى لو كانت المعلومة في مصلحة مليشيا دقلو نفسها.

 

بعد الضربات الجوية التي نفذها الجيش السوداني صباح الجمعة على مواقع تابعة لمليشيا دقلو داخل مدينة نيالا، وتحديدًا عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، تابعت التغطية الإعلامية وما نشره النشطاء، وقارنت ذلك بالمعلومات التي وصلتني من داخل المدينة وكانت النتيجة أن حجم ما يجري على الأرض أكبر بكثير مما يصل إلى الرأي العام.

 

الضربة الأولى استهدفت ثلاث عربات تابعة للمليشيا كانت في شوايات الإبل شرق سوق المواشي بنيالا، بينها عربتان مصفحتان وبوكس دبل أسفرت الضربة عن مقتل أربعة من عناصر المليشيا وإصابة ستة آخرين، إلى جانب أضرار واسعة في السوق وسقوط ضحايا من المدنيين.

 

ورغم وقوع الضربة داخل سوق يرتاده المواطنون، لم يتمكن أحد من تصوير الموقع أو توثيق ما حدث خوفًا من رد فعل عناصر المليشيا ولم يظهر أول مقطع مصور إلا بعد إخلاء القتلى والجرحى ومرور أكثر من ساعة، عندما حضر أحد النشطاء الموالين للمليشيا لتصوير المكان.

 

أما الضربة الثانية، فاستهدفت مخزنًا تابعًا للمليشيا في حي المصانع، وهو المخزن الذي تشير معلوماتي إلى تفريغ الشحنة الأخيرة القادمة من مطار أبشي بداخله، ومع ذلك لم يتحدث عنه أحد، والضربة الثالثة استهدفت منزلًا في حي السينما، كان يضم اجتماعًا لعدد من المهندسين والفنيين التابعين للمليشيا.

 

وفي مساء اليوم نفسه، وقعت ضربة أخرى استهدفت معسكر التدريب بجامعة نيالا، مجمع موسى، هذه أربع ضربات في يوم واحد، استهدفت مواقع مختلفة داخل المدينة، ومع ذلك غابت عنها التغطية الإعلامية التي تعكس حقيقة ما حدث.

والمثير للاستغراب أن حكومة دقلو خرجت ببيان تتهم فيه مصر بالوقوف وراء الضربات، رغم إعلان الجيش السوداني عبر صفحته الرسمية مسؤوليته عنها.

 

المشكلة ليست في غياب وسائل الإعلام وحدها، بل في البيئة التي يعيش فيها إنسان دارفور، حيث أصبح نقل الخبر مخاطرة، وتصوير الأحداث سببًا محتملًا للاعتقال والملاحقة. المواطن يعيش تحت سلطة الأمر الواقع، ولا يستطيع التعبير بحرية عما يشاهده، بينما تسيطر الرواية التي تخدم المليشيا على معظم الأخبار المتداولة من داخل مناطق سيطرتها.

 

والأمر المؤسف أن بعض من يتناولون أخبار دارفور من الخارج ينشرون معلومات غير دقيقة، بل إن بعضهم لا يميز بين مدينة نيالا وولاية جنوب دارفور، ومع ذلك يقدمون أنفسهم مصادر للأخبار.

 

الضربات بالطيران المسيّر على مواقع المليشيا داخل نيالا تتكرر بصورة مستمرة، وتصل إلى ثلاث أو أربع ضربات أسبوعيًا في بعض الفترات، دون أن تجد التغطية الإعلامية التي تستحقها.

 

وفي المقابل، عندما تستهدف مسيّرات مليشيا دقلو أي منطقة تحت سيطرة الجيش، تنتشر الأخبار بصورة واسعة، بداية من دخول المسيّرات الأجواء وحتى آخر تفاصيل الاستهداف ونتائجه.

 

أما في دارفور، فيسود الصمت، ولا تظهر أصوات الإعلام الموالي للمليشيا إلا عندما تقع أضرار وسط المدنيين، فتبدأ حملة إعلامية تتجاهل بقية الوقائع وتقدم صورة ناقصة عما حدث.

 

أنا لا أطالب بإخفاء ضحايا المدنيين أو التقليل من معاناتهم، بل على العكس، يجب توثيق كل انتهاك وكل خسارة في الأرواح والممتلكات، أيًا كانت الجهة المسؤولة عنها. لكن نقل الحقيقة لا يكون بالانتقاء، ولا بتجاهل الوقائع التي لا تخدم طرفًا معينًا.

 

دارفور ليست مدينة واحدة، وما يحدث داخل نيالا لا يمثل وحده كل ما يجري في الإقليم. هناك أحداث أمنية وعسكرية وإنسانية خطيرة تستحق المتابعة والتوثيق، وهناك مواطنون يعيشون واقعًا لا تصل حقيقته إلى العالم.

 

ومن الظلم مطالبة المواطن المحاصر بالخوف أن يخاطر بحياته من أجل تصوير مقطع أو نقل خبر، بينما المطلوب من الإعلاميين والنشطاء خارج مناطق سيطرة المليشيا بذل جهد أكبر للتحقق من المعلومات ونشرها بمسؤولية، مع حماية مصادرهم وعدم تعريض السكان للخطر.

 

إقليم دارفور يحتاج إلى إعلام ينقل الحقيقة كاملة، لا إعلام ينتظر البيانات الجاهزة أو يتحرك بحسب مصالح أطراف الحرب.

فالصمت عما يجري داخل دارفور لا يغيّر الواقع، لكنه يحجب الحقيقة عن ملايين السودانيين، ويترك إنسان الإقليم وحده في مواجهة الحرب والخوف والتعتيم الإعلامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.