أحمد بطران عبد القادر- استغلال دموع الأمهات لن يجدي نفعا

0

كتب- أحمد بطران عبد القادر- استغلال دموع الأمهات لن يجدي نفعا- لم يكن الفيديو المتداول تحت عنوان من رحمة القائد وفجيعة الأم المكلومة حدثا عاطفيا عابرا بل كان عملية مدروسة لاستغلال تلك الدموع وتوظيفها لتحسين الصورة وغسيل السمعة ولكن هيهات فهي حيلة ماكرة ومكشوفة لدى كل من يتابع مجريات الأحداث في بلادنا فالأيادي التي تلطخت بالدماء لن تغسلها دموع الثكالى

 

ولئن وضعنا هذه الحيلة تحت مجهر العلم والقانون والسياسة لوجدناها لا تعدو أن تكون مغالطة منطقية تسمى في علم المنطق التركيز على الشجرة لإخفاء الغابة

 

فالمواطنون الذين قتلوا بقصف الطيران في منجم شمال الوادي هي جريمة مروعة تستوجب تحقيقا مستقلا ومحاسبة عاجلة للجناة أيا كانوا

 

لكن الشجرة هنا تخفي غابة كاملة من الجرائم التي لا تحصى ولا تعد فحسب تقديرات منظمات حقوقية دولية ووطنية يوجد في سجون الدعم السريع وحكومة تأسيس المزعومة أكثر من 25 ألف معتقل تعسفيا من المدنيين العزل الأبرياء ومئات من حالات الاختفاء القسري

 

فبأي منطق يتحدث من يمارس الاعتقال الجماعي الممنهج عن جبر خاطر أم واحدة والغريب أننا نجد من يصفق له ويمجد فعله ليغطي ما عظم من جرائمه التي فاقت التصور والخيال وغلبت في قبحها وشناعتها جرائم التتار وعناصر الجستابو

 

وهنا أنا لا أكتب كمحلل سياسي ينظر ويراقب الأحداث من برج عاجي ولكنني صاحب وجع حقيقي فابن أختي معتز ذكي علي معتقل في سجون الدعم السريع منذ ثاني أيام الحرب هو وشقيقه هشام الذي وصلنا خبر استشهاده تحت التعذيب داخل إحدى تلك المعتقلات البائسة هذه ليست قصة فيديو متداول بل هي بلاغات رسمية وشهادات أسر تنتظر أن تتحقق العدالة يوما ما بعد إزالة متاريس الاستبداد

 

ونقول لهؤلاء المضللين إن القانون لا يتجزأ والجريمة لا تغسل بمنزل فالقانون الدولي لا يعترف بالدموع الموسمية ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واضح الجريمة تصبح جريمة حرب حين تكون ممنهجة وواسعة النطاق

 

وقد اطلعنا على تقارير أممية وتقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية التي وثقت كل الجرائم التي حدثت في مناطق سيطرة الدعم السريع والتي لم تكن خافية على أحد فقد وقعت أمام سمع وبصر العالم كله وتمثلت في الآتي

 

1 / نهب ممنهج طال كل ولاية دخلتها قوات الجنجويد من الخرطوم إلى الجزيرة ودارفور وكردفان وغيرها

2/ قتل على أساس الهوية والجهوية وعنف جنسي ممنهج استخدم كسلاح حرب ضد الحرائر والقاصرات

3 / تصفية خارج نطاق القانون للشباب والشيوخ وتدمير ممنهج للبنية التحتية للدولة والأعيان المدنية

4 / تهجير قسري لأكثر من 12 مليون مواطن وتدمير ممنهج للنسيج الاجتماعي

 

وهذه الجرائم تمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان وحتى اليوم لم يحاسب قائد ميداني واحد أو يجرم من قبل حكومة تأسيس المزعومة بل لم يتوقفوا عند هذا الحد فما زالوا يرتكبون المزيد مخالفين للقانون الدولي الإنساني

 

والسؤال هنا بشكل مباشر هل شراء منزل لأم مكلومة بمال خاص كما قيل هو صك براءة أخلاقية لفاعل أساسي لكل هذه الجرائم دون استحياء قطعا لا وألف لا فالشرعية الأخلاقية لا تتجزأ

 

كما أن الجلاد لن يصبح منقذا بين ليلة وضحاها ففي علم السياسة السلوك المتكرر هو مقياس القيم وليس الخطاب الطارئ فمن قتل الشرفاء واغتصب الحرائر ونهب البيوت وهجر الملايين من ديارهم لن يستيقظ فجأة ليصبح رجل سلام وإحسان ومعروف وهذا ما أسماه ميكافيلي قبل 500 عام بالرحمة المسرحية رحمة تقدم على خشبة المسرح لإخفاء ما يدور خلف الكواليس لكن دائرة الوعي لدى شعبنا قد اتسعت ولم يعد بيننا ساذج ليصدق هذه الأكاذيب فهو شاهد وحاضر بكل وعيه في هذا المشهد العبثي الذي تباع وتشترى فيه الدماء بالمناصب والمكاسب الذاتية

 

ستظل القضية الجوهرية هي كيف نحقق العدالة لكل الضحايا الذين قتلوا في الإبادات الجماعية وحروب التطهير العرقي والذين قتلوا في المواكب والاحتجاجات والاعتصامات والذين قتلوا في هذه الحرب العبثية بالقصف والتهجير القسري والاغتصاب والخراب وضحايا معسكرات العنف الجنسي والاعتقال فحق الدهابة حق ولكننا نطالب بحقوق كل الضحايا

 

وأخيرا من ينتهك حرمة المواطن في بيته وماله وعرضه لا يمكن أن يصبح حاميا لسيادة الوطن لذا نريدها عدالة كاملة غير منقوصة عدالة لأم كل شهيد في منجم شمال الوادي وعدالة لأمهات 25 ألف معتقل في سجون الجنجويد وعدالة لأمهات من اغتصبن في دارفور والخرطوم والجزيرة وعدالة لأسرة معتز ذكي وشقيقه هشام ولكل أم تنتظر ابنا مختفيا قسريا

 

فالسلام الحقيقي لا يتحقق إلا بتحقيق العدالة للجميع والبداية إيقاف آلة الجريمة الأكبر ضد شعبنا ومحاسبة مرتكبيها وتسليم المطلوبين جميعا للعدالة المحلية والدولية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.