عادل الباز- حيطة الطين المائلة… حكومة كامل إدريس (1)

0

كتب- عادل الباز- حيطة الطين المائلة… حكومة كامل إدريس (1)- من نكد الدنيا على الصحفيين من جيلنا أننا عاصرنا حكومات كثيرة، وقارعناها واحدة تلو الأخرى. وبعد نصف قرن من النقد والخيبات، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي أمام حكومة كامل إدريس متسائلًا: أهذه خاتمة الرحلة؟

 

عاصرنا حكومات الصادق المهدي التي أسقطتها الصحافة جميعها، منذ أواخر الستينيات حتى أواخر الثمانينيات، ثم حكومة الجزولي دفع الله، وحكومات البشير، ثم حمدوك. وأسأل الله ألّا تكون خاتمتنا في هذه الدنيا حكومة كامل إدريس، فهي – إن استمرّت – ستكون خاتمة سوء، والعياذ بالله.

 

ومما يحزّ في النفس أننا طيلة خمسين عامًا ظلّلنا نقارع سياسيين كبارًا ذوي شخصيات وكاريزما، من نميري إلى البشير، ثم ابتُلينا في أواخر أعمارنا بحمدوك، ومن بعده كامل إدريس… فتأمّل الدرك الذي انحدرنا إليه!

2

أعلم أن حكومة السيد إدريس آيلة للسقوط، كأيّ «حيطة زبالة» مائلة ومتداعية. لا يمكن إسنادها لتمنعها من الانهيار، ولا يُرجى إصلاحها. فحيطان الطين المائلة، المشبعة بماء الفساد، لا ينفع معها الترميم؛ الأفضل هدمها بدل محاولة ترقيعها بذات الطين والزبالة. وهكذا حكومة «البروف» كامل إدريس… أسوأ من حيطان الزبالة نفسها.

 

والأغرب أن الذين جاءوا بها أدركوا أخيرًا أنها ساذجة، لا تصلح لإدارة حانوت، ناهيك عن إدارة بلد بتعقيدات السودان. فأعادوا توظيفها كخيال مآتة و«تختة تنشين» تُصبّ عليها اللعنات كل صباح… وهي تستحق ذلك عن جدارة.

3

منذ اعتلى السيد كامل إدريس رئاسة الوزراء، كنت متحفظًا في نقد حكومته. كنا نقول إن الرجل يحتاج إلى فرصة ليستوعب ما يجري في بلد ابتعد عنه نحو خمسين عامًا، وجاء إليه في ظروف بالغة التعقيد: حروب، وأزمات، وتآمر دولي، وغياب تام للمقومات الإدارية.

 

المهمة صعبة في زمن أصعب، وكنت أقول إن من ترك نعيم سويسرا وجاء ليعين بلده في هذا الجحيم يستحق العون. وكنت أحرص في نقدي على الإشارة إلى مواطن الخلل برفق، ظانًا أن اعوجاجه وقلة خبرته بشؤون السودان يمكن علاجهما بالصبر، وأن «الأبام بتوريهو».

 

لم أكن أنتظر منه معجزة توقف الحرب أو تبدّد أزمات البلاد. كنت أنتظر ما هو أقرب إلى خبرته المعلنة: إعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع قواعد واضحة للعمل، وتقديم تصور يمكن مساءلة حكومته على أساسه. ومن هنا بدأت الخيبة: من المسافة الشاسعة بين ما توقّعته وما رأيته.

 

كنت أظن، بحكم عمله الطويل في المنظمات الدولية، أنه الأقدر على إصلاح الخراب المؤسسي الذي خلفته الحرب… فيا لغفلتي وخيبة ظنوني! وهنا أسعفني المتنبي:

 

أُعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً

أن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمُهُ ورمُ

مؤخرًا اكتشفت هذا الورم الذي ألمّ بالسودانيين: حرب، وفقر، وجوع، وحكومة بلا خيال ولا رؤية ولا همّة إلا قليلا، يرأسها كامل إدريس.

 

4

في ملتقى الإعلاميين الأخير بالخرطوم، رأيت من رئيس الوزراء ما بدّد ما تبقّى لديّ من أمل في حكومته. سأروي تفاصيل الواقعة لاحقًا، لكن ما يعنيني هنا أنها دفعتني إلى مراجعة موقفي السابق. كنت أرى أنه يستحق فرصة، فإذا بي أتساءل: ماذا فعل بهذه الفرصة؟

 

اكتشفت جهلًا مريعًا، وضيق صدر، وفقدانًا للحجة، وتصرفات طفولية لا تليق برئيس وزراء. شاهدته – بل شاهده العالم – وهو يختطف الميكروفون من فوق المنبر، فاقدًا أعصابه، يصرخ… فغلبني الضحك: أهذا رئيس وزرائنا، أم أراجوز في مسرحية كوميديا سوداء؟

 

خرجت من قاعة فندق روتانا مستذكرًا مسرحية «وجه الضحك المحظور» لصديقي الراحل هاشم صديق. لو كان حيًا لأضاف فصلًا مدهشًا، يبدع فيه علي مهدي مشهدًا لا أروع منه… مشهدًا تموت فيه من الضحك من كائن لا تُخفي خفّته.

 

إن كان شرّ البلية ما يُضحك، فإن حكومتنا الموقّرة قد تجاوزت مرحلة الإضحاك إلى مرحلة الشر المستطير. وفي انتظار تلك القصة، لا نملك إلا أن ندعو ألّا يعاجلنا أحد بـ«بروفيسور» جديد يُنسينا أيام كامل إدريس. فقد أثبتت التجربة أن كل حكومة تأتي في هذا البلد تجعلنا نترحّم على سابقتها، ولله في خلقه ووزرائه شؤون.

لا تحلموا بغد سعيد… فبعد كل حمدوك، كامل جديد.

نواصل

المصدر

alahdaathnews.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.