الإمارات تستعين بشركة طيران روسية تعمل في الخفاء لتنفيذ مهام في أفريقيا
فيينا- وكالات- الزاوية نت- أظهر تحقيق أجرته «ديفنس نيوز» أن الإمارات العربية المتحدة، التي تحظى بتفضيل الغرب في مجال التعاون الأمني بالمنطقة، يبدو أنها استعانت بصورة منتظمة خلال العام الماضي بشركة «أفياكون زيتوترانس»، وهي شركة طيران روسية خاضعة للعقوبات ومرتبطة بالعمليات العسكرية وشبه العسكرية للكرملين.
ويشير تحليل آلاف سجلات الرحلات، إلى جانب غيغابايتات من الوثائق الداخلية المسربة للشركة وملفات الطيران والمراسلات الإلكترونية، إلى وجود صلة بين الطائرات الخاضعة للعقوبات وأكثر من مئة مهمة نفذت لصالح الحكومة الإماراتية والأسرة الحاكمة منذ منتصف عام 2025.
وتخضع الشركة الروسية المشغلة لهذه الطائرات، «أفياكون زيتوترانس»، لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة وكندا وأوكرانيا بسبب دعمها المجهود الحربي الروسي. كما كشفت تقارير سابقة دورها في إمداد مرتزقة موسكو في أفريقيا. وأدرجت الحكومة الأمريكية، بصورة منفصلة، الطائرات المحددة التي تظهر في سجلات العمليات الإماراتية ضمن الممتلكات المحظورة.
وهذا المقال هو الثاني ضمن سلسلة متعددة الأجزاء تكشف شبكة غير مألوفة من شركات الواجهة وشركات الطيران وطائرات الشحن التي تعود إلى الحقبة السوفيتية.
ويتعارض استخدام الإمارات الظاهر لشركة شحن جوي روسية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، إلى جانب دورها مركزا للالتفاف على العقوبات الروسية، مع الجهود الغربية لعزل موسكو دوليا وقطع التدفقات المالية التي يحتاجها الكرملين لمواصلة حربه على أوكرانيا.
وتظهر مسارات الرحلات التي جمعتها «ديفنس نيوز» أن طائرات «إليوشن إيل-76» التابعة لـ«أفياكون زيتوترانس»، والتي تعود إلى الحقبة السوفيتية، نفذت مهام ربطت الإمارات بوجهات في أفريقيا، متبعة المسارات والأنماط التشغيلية نفسها التي يستخدمها مشغلون آخرون ارتبطوا بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع شبه العسكرية في الحرب الأهلية السودانية. وانطلقت عدة رحلات من قواعد عسكرية إماراتية بدلا من المطارات المدنية، بما يشير إلى صلة بالحكومة.
وتواصلت «ديفنس نيوز» مع سفارتي الإمارات في فيينا وواشنطن، ومكتب أبوظبي الإعلامي، ووزارة الخارجية الإماراتية، لطلب تعليق بشأن الصلات بشركة «أفياكون زيتوترانس»، لكنها لم تتلق ردا. كذلك لم ترد شركة الطيران على طلب التعليق.
ويبدو أن رحلات أخرى نفذتها طائرات الشركة ورصدتها «ديفنس نيوز» انطلقت من الإمارات إلى مهبط خاص شرقي باكستان، يعرف باسم «مهبط تشاندانا» أو «مطار الحبيب»، ربطته تقارير سابقة بأسرة آل نهيان الحاكمة في أبوظبي. ولا يظهر المهبط في قواعد البيانات الإلكترونية لرموز المطارات التابعة لمنظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» والاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا»، أو في قوائم هيئة الطيران المدني الباكستانية. ووصفته تقارير دولية بأنه بوابة إلى مناطق الصيد بالصقور التي ترتادها الأسرة الحاكمة الخليجية في باكستان.
ولا تتوافر على الإنترنت سوى مقاطع وصور قليلة لهذا المطار. وراجعت «ديفنس نيوز» لقطات تظهر صورا كبيرة لحكام خليجيين وسياسيين باكستانيين بجوار ساحة وقوف الطائرات، وصورا مؤطرة داخل صالة انتظار فاخرة في المطار، إلى جانب أعداد كبيرة من الأعلام الإماراتية المرفوعة بجوار الأعلام الباكستانية. وبحسب تحقيق أجراه متتبع مستقل للطائرات عام 2022، ينقل أفراد إماراتيون جوا إلى الموقع قبل استخدام أفراد الأسرة الحاكمة للمهبط.
نقل الأسلحة
عندما لا تنفذ «أفياكون زيتوترانس» عمليات لصالح الإمارات، فإنها تنفذ مهام للحكومة الروسية، تشمل شحن الأسلحة إلى أنحاء العالم. وتظهر وثائق داخلية مسربة اطلعت عليها «ديفنس نيوز» أن الشركة نقلت مروحيات قتالية إلى جنوب شرق آسيا، وناقلات جند مدرعة إلى تركيا، وحصلت على استثناء خاص من الحكومة الروسية لنقل الصواريخ ورؤوسها الحربية جوا.
وتدرج الشركة على موقعها الإلكتروني «عمليات النقل الجوي الحكومية والعسكرية» ضمن مجالات نشاطها، وتروج لطائرات «إيل-76» التي تستخدمها بوصفها «قادرة على العمل من مدارج قصيرة وغير معبدة»، وأنها «اكتسبت سمعة ممتازة بفضل تعدد استخداماتها وموثوقيتها التشغيلية».
ويوضح موقع الشركة أن مقصورة الشحن ومنحدر التحميل الخلفي «يتيحان تحميل وتفريغ أنواع كثيرة من المعدات ذات العجلات بسلاسة، مثل ناقلات الجند المدرعة وشاحنات الخدمات والمقطورات وغيرها».
وقالت مارغو غارسيا، كبيرة المحللين لدى «سي فور إيه دي إس» (C4ADS)، وهي منظمة أمريكية غير ربحية متخصصة في تحليل الشبكات غير المشروعة: «تتخصص أفياكون زيتوترانس في استخدام طائرات إيل-76، وهي طائرات مفيدة جدا ومتينة للغاية لنقل البضائع والأشخاص. وقد صنعت أصلا لتكون طائرات نقل عسكرية، لذلك من المنطقي استخدامها لهذا الغرض».
وكانت عمليات الشركة المرتبطة بروسيا في أفريقيا قد جذبت الانتباه سابقا، ودفعت الحكومة الأمريكية إلى فرض عقوبات عليها. وشكلت أفريقيا جنوب الصحراء مسرح العمليات الرئيسي لمجموعة «فاغنر» سيئة السمعة، التي أعيدت تسميتها «الفيلق الأفريقي» بعد وفاة قائدها يفغيني بريغوجين.
وفي الوقت الذي خفضت فيه معظم الدول الغربية تجارتها مع روسيا والكيانات المرتبطة بالدولة الروسية إلى الحد الأدنى، وحظر الاتحاد الأوروبي دخول جميع الطائرات الروسية إلى مجاله الجوي، تحافظ الحكومة الإماراتية على علاقات تجارية ودبلوماسية ودية مع موسكو. ونتيجة لذلك، تحولت الإمارات إلى مركز للالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا وشراء السلع من الخارج. وتؤكد هذا الاتجاه بوالص الشحن الجوي المسربة لـ«أفياكون زيتوترانس» التي فحصتها «ديفنس نيوز»، إذ أظهرت بصورة متكررة شراء سلع غربية، بينها إلكترونيات خاضعة للعقوبات، عبر الدولة الخليجية.
كما حددت تقارير سابقة لرويترز أسواق الذهب في دبي بوصفها شريان حياة حيويا لروسيا، في ظل استبعادها من أنظمة الدفع العالمية مثل «سويفت».
ومنذ سبتمبر 2025، سلكت ثلاث طائرات على الأقل مرتبطة بـ«أفياكون زيتوترانس» مسارات تطابق الأنماط المعروفة للمهام التي ترعاها الحكومة الإماراتية، وهي الطائرات ذات أرقام التسجيل RA-76842 وRA-76502 وRA-76846. ونفذت طائرة أخرى، تحمل رقم التسجيل RA-76834، مهمة ربطت قاعدة سويحان الجوية الإماراتية بمدينة بوصاصو في الصومال، وهي مركز لوجستي إماراتي معروف استخدم لشحن الأسلحة إلى أفريقيا، قبل أن تلغي السلطات الصومالية الاتفاقيات ذات الصلة مع الإمارات في يناير 2026.
وقالت غارسيا: «يتوافق تماما مع نموذج عملهم أن يعملوا لصالح أي جهة مستعدة لتمويلهم. وهذا النوع من العمل يشبه ما يبدو أنهم ينفذونه لصالح روسيا، لذلك من المنطقي أن يتوسعوا إلى هذه السوق الأخرى».
والطائرات الثلاث التي تنفذ الغالبية العظمى من المهام التي يبدو أن الإمارات استأجرتها مدرجة صراحة لدى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي ضمن الممتلكات المحظورة مباشرة. كما يشمل الحظر سائر طائرات «أفياكون زيتوترانس» بحكم ارتباطها بالشركة، بما فيها جميع الطائرات التي ربما دخلت الأراضي الإماراتية أثناء تنفيذ مهامها الروسية.
واتبعت معظم الرحلات نمطا متشابها: تقلع الطائرة أولا من مطار أو مهبط إماراتي، غالبا مطار العين المشترك بين الاستخدامين المدني والعسكري، أو مطار أبوظبي، وفي حالات أقل من قاعدة عسكرية داخل الإمارات. ثم تتجه جنوبا وغربا إلى خليج عدن، حيث يختفي مسارها الذي يبثه جهاز الإرسال والاستجابة. وبعد ذلك، تعاود الظهور في الموقع نفسه فوق خليج عدن، وهي في طريق العودة إلى الإمارات، في وقت لاحق من اليوم نفسه أو بعد بضعة أيام.
لغز أجهزة الإرسال والاستجابة
وقالت غارسيا، التي أطلعتها «ديفنس نيوز» على نتائجها وبياناتها: «إذا لاحظت أن جميع هذه الطائرات التي تشغلها شركة الطيران نفسها تختفي من نطاق التغطية، فهذا نمط جدير بالاهتمام، خصوصا إذا كانت معظم الطائرات الأخرى تستطيع عبور المنطقة من دون أن تختفي من التغطية. إذن، ليست المشكلة في الإشارة، وليست في التغطية. وهذا يرجح أنهم ربما يتعمدون إيقاف أجهزة الإرسال والاستجابة، وأنهم يخفون نشاطهم».
وفي المجمل، رصدت «ديفنس نيوز» ما يزيد بكثير على مئة رحلة لـ«أفياكون زيتوترانس» حملت السمات المميزة لعمليات الشحن المرتبطة بالحكومة الإماراتية.
واستخدمت «ديفنس نيوز» أرشيفا تجاريا لتتبع الطائرات، يتضمن بيانات أجهزة البث التلقائي للمراقبة (ADS-B) وبيانات تحديد المواقع بتقنية تعدد الأطراف (MLAT)، لمتابعة الطائرات المعنية، وبنت قاعدة بيانات واسعة تضم نحو تسعة آلاف رحلة نفذها عدد من شركات الطيران العاملة في الخفاء حول العالم منذ مطلع عام 2025. وراجعت كل رحلة يدويا. وغالبا ما تكون البيانات متقطعة بسبب أساليب الإخفاء المتعمد أو محدودية التغطية، مما يستلزم مطابقة الأنماط والاستعانة بمصادر إضافية، تشمل التقارير المحلية والصور الملتقطة من الأرض وصور الأقمار الصناعية.
وقدمت بعض مسارات التتبع صورة أكثر اكتمالا، وسدت جزءا من الفجوات. وكانت إثيوبيا وجهة متكررة، خصوصا قاعدة هرر ميدا الجوية، المنشأة الرئيسية لسلاح الجو الإثيوبي، ومطار أديس أبابا الدولي.
ولم ترد سفارتا إثيوبيا في واشنطن وبرلين على طلب للتعليق.
وتنخرط الإمارات وروسيا بعمق في الحرب الأهلية السودانية، لكن حكومتيهما تدعمان طرفين متعارضين. فبينما تدعم أبوظبي قوات الدعم السريع، ألقت روسيا بثقلها خلف الحكومة والقوات المسلحة السودانية. وأدى عمل «أفياكون زيتوترانس» الظاهر لصالح كل من الإمارات وروسيا إلى وضع قد تكون فيه الطائرات نفسها تمد طرفين متعارضين في هذه الحرب الأهلية الوحشية، إذ تطير أحيانا من روسيا وتركيا إلى بورتسودان، نقطة الإمداد الرئيسية للقوات المسلحة السودانية، وتنفذ أحيانا أخرى مهام إماراتية يرجح أنها تدعم قوات الدعم السريع عبر المناطق الداخلية في أفريقيا.
وخارج أفريقيا، ربطت بعض الرحلات التي جرت خلال فترة الاستخدام الإماراتي الظاهر لهذه الطائرات بين الإمارات ودول خليجية أخرى، منها الكويت وقطر.
وإلى جانب استخدام طائرات «أفياكون زيتوترانس»، تشغل الإمارات أسطولا من طائرات الشحن عبر شركات واجهة وطائرات شحن مستأجرة تبدو مدنية، لتنفيذ مهام مشابهة، وهو ما ستتناوله «ديفنس نيوز» في تحقيق مقبل.
ولا يتضح سبب اختيار القيادة الإماراتية شركة «أفياكون زيتوترانس» من بين شركات الطيران العديدة العاملة في سوق الشحن الجوي المستأجر. وقالت غارسيا: «ربما لاحظوا خبرة أفياكون زيتوترانس في هذا المجال، وأنها عملت في النوع نفسه من العمليات شديدة الحساسية».
ورصدت الطائرات أيضا وهي تنفذ مهام أخرى في أفريقيا الاستوائية وأفريقيا جنوب الصحراء، وشملت وجهاتها ليبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا، خلال العام ونصف العام الماضيين. واستنادا إلى الأنماط المعروفة، يرجح أن كثيرا من هذه المهام كان مرتبطا بروسيا، وليس منفذا لصالح الإمارات، رغم استخدام الإمارات أحيانا محطة توقف أو مركزا على الطريق.
وكانت «ديفنس نيوز» قد نشرت سابقا تقريرا عن طائرة «إيل-76» تابعة لـ«أفياكون زيتوترانس» نفذت مهمة سرية إلى فنزويلا في أكتوبر 2025، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الأمريكية على البلاد. ثم تبين لاحقا أن الطائرة نقلت منظومة دفاع جوي روسية إلى كاراكاس. وتعد محطات التوقف الوسيطة للتزود بالوقود ضرورية لكي تقطع هذه الطائرات تلك المسافات، لأن مدى طائرات «إليوشن» لا يكفي من دونها، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة طيران روسية أخرى تعمل في الخفاء لـ«ديفنس نيوز» ضمن تحقيق سابق.
وختمت غارسيا قائلة: «إذا كانت أفياكون تنفذ بالفعل مهام لصالح الإمارات إلى جانب مهام غير مشروعة لصالح روسيا، فإن ذلك يكتسب أهمية لأنه يظهر أن الإمارات لا ترى في العقوبات المفروضة على أفياكون رادعا كافيا لوقف التعامل معها».
المصدر
