تقرير بقلم أناب ألمان– في الساعة الثالثة من عصر يوم الثلاثاء، 15 سبتمبر/أيلول، خرج أبو فايزة الفاضل (32 عاماً) من إحدى الآبار الست المترابطة في منجم “الزارع” للذهب بالسودان ليأخذ قسطاً من الراحة، وبعد دقائق معدودة، انهارت الآبار، مما أدى إلى طمر العشرات من زملائه الذين كانوا يعملون في باطن الأرض.
وقال الفاضل لموقع “دروب سايت” (Drop Site) عبر الهاتف من نقطة اتصال “ستارلينك” في قرية “الرقيق” -حيث يقع المنجم-: “خرجت لأستريح لبضع دقائق، وفجأة اهتزت الأرض واختفت البئر ومعها كل من كان بداخلها”، وأضاف: “لم يفصل بيني وبين الموت سوى دقائق معدودة”، مشيراً إلى أنه كان يفكر في تلك اللحظات في زوجته وطفليه الصغيرين.
وذكر الفاضل أن نحو 45 رجلاً كانوا يعملون في البئر التي غادرها للتو؛ ومع ذلك، رفض مقاتلون من قوات شبه عسكرية متمركزة في الجوار تقديم المساعدة، وفقاً لما ذكره الناجون أما محمد الحسن، فقد كان يتواجد في بئر ثانية عندما انهارت، حيث قال لموقع “دروب سايت”: “كنا حوالي 60 شخصاً في الأسفل حين وقع الانهيار”.
“لقي خمسة وعشرون شخصاً حتفهم. لقد انتشلنا جثثهم بأنفسنا. نجا سبعة عشر منا – بينهم ستة مصابين – وأخرجناهم بأيدينا، بينما لا يزال الآخرون في عداد المفقودين؛ ولا نعلم ما حل بهم”.
قال الحسن إن عمال المناجم طلبوا المساعدة من قوات الدعم السريع لكنهم قوبلوا بالرفض وأضاف: “توجهنا إلى نقطة تابعة لقوات الدعم السريع تقع على بعد حوالي 15 دقيقة وأخبرناهم بوجود أشخاص عالقين كانت لديهم جرافتان، لكنهم رفضوا المساعدة”.
انهارت الآبار الستة جميعها على بعضها البعض، مما أدى إلى طمر العمال في الداخل. وصرح مسؤول في الإدارة المحلية للصحفيين في اليوم التالي بأن الحادث أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 82 شخصاً وإصابة نحو 50 آخرين. كما أكد مصدر في قوات الدعم السريع – وهي الجماعة شبه العسكرية التي تسيطر على المنطقة – لوكالة فرانس برس حصيلة الوفيات ذاتها، مشيراً إلى أن عدداً غير معروف من الأشخاص لا يزالون عالقين.
ولم تُعلن أي حصيلة محدثة منذ ذلك الحين. وذكرت مصادر محلية أنه بعد أيام قليلة من الانهيار، أغلقت قوات الدعم السريع المنطقة المحيطة بالمنجم، وأبعدت حتى العمال الذين كانوا يبحثون عن زملائهم، ولم يُسمح لأحد بالاقتراب من المنجم منذ ذلك الحين.
ووفقاً لعمال مناجم محليين، كانت قوات الدعم السريع شريكاً في إدارة المنجم بعد سيطرتها على ولاية غرب كردفان في ديسمبر 2025. ويُعد الذهب أحد مصادر الإيرادات الرئيسية لطرفي الصراع في السودان – الجيش الوطني (القوات المسلحة السودانية) وقوات الدعم السريع – بحسب خبراء في اقتصاديات النزاع. ويعمل أكثر من مليوني شخص في قطاع التعدين في السودان.
غير أن هذا القطاع لا يزال يفتقر إلى التنظيم بشكل ينطوي على مخاطر جسيمة. وتُعد هذه رابع حادثة كبرى لانهيار منجم للذهب في السودان هذا العام؛ إذ سبقتها حوادث في “أبو جبيهة” خلال شهر يناير (حيث لقي ما لا يقل عن ستة عمال حتفهم)، وفي “كليتي” خلال شهر أبريل (حيث قُتل سبعة أشخاص على الأقل)، وفي “وادي حلفا” خلال شهر يوليو (حيث توفي 15 شخصاً).
ويشير خبراء السلامة المهنية إلى تكرار النمط ذاته في كل مرة؛ إذ تُحفر آبار عشوائية (غير رسمية) دون أي رقابة. فعلى سبيل المثال، كان منجم “الزراع” – الواقع بالقرب من مدينة النهود – يتألف من حفر عميقة ومترابطة حُفرت دون توفير معدات السلامة أو دعامات التدعيم (وهي الهياكل المؤقتة التي تُستخدم لتثبيت جدران البئر وسقفها)، وقد قام السكان المحليون بحفر هذه الآبار خلال السنوات الأخيرة.
السكان المحليون يهبّون للإنقاذ
تولى السكان المحليون مهمة الإنقاذ؛ إذ وصل الطاهر عيسى (30 عاماً) -وهو من سكان منطقة “الرقيق”- إلى الموقع في غضون ساعة من وقوع الانهيار.
يقول عيسى: “وجدنا الشباب في حالة من الصدمة والذهول. لم يكن بعضهم يدرك ما حدث، بينما تمكن آخرون من الخروج بأنفسهم، وإن كانوا يعانون من إصابات وكسور”.
ويضيف: “تطوعنا نحن السكان المحليين للمساعدة؛ فأحضرنا أدواتنا من منازلنا -مثل المعاول والمجارف- وبدأنا محاولات إنقاذ العالقين وتقديم الإسعافات الأولية لمن يخرجون من المنجم”.
ويصف عيسى جهود الإنقاذ التي شارك فيها قائلاً: “بحلول اليوم الثاني، كنا قد انتشلنا 25 جثة وأنقذنا 13 مصاباً. وبعد انتشال الجثث، أقمنا صلاة الجنازة عليهم”.
تفتقر المنطقة إلى شبكات الهاتف المحمول التقليدية أو خدمات الإنترنت العامة؛ لذا لم يكن التواصل مع “دروب سايت” (Drop Site) متاحاً للناجين والسكان إلا بشكل متقطع، وذلك عبر المتاجر والأماكن التي تتوفر فيها أجهزة “ستارلينك” (Starlink) للاتصال بالإنترنت، وهي مناطق تخضع أيضاً لسيطرة قوات الدعم السريع. وقد أبدى الكثيرون تردداً في الحديث عن المنجم أو الجهات التي كانت تديره.
لم يشاهد أي من عمال المناجم الذين تحدثت إليهم “دروب سايت” (Drop Site) فرقاً طبية أو أي استجابة من السلطات، سواء من الإدارة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع أو من الحكومة الوطنية. ولم تصدر “الشركة السودانية للموارد المعدنية” -وهي الهيئة الحكومية المسؤولة عن الإشراف على قطاع التعدين- أي بيان بشأن حادثة الانهيار في منجم “الزارع”، رغم أنها علّقت بعد أيام قليلة على حادثة انهيار أخرى في منجم “العوني” بولاية البحر الأحمر.
ومن بين الضحايا كان أبو بكر حامد الدقيل (27 عاماً)، الذي كان يتواجد في بئر ثالثة مع نحو 30 عاملاً آخرين؛ ولم ينجُ أي منهم. ومنذ وفاة والده، كان أبو بكر هو المعيل الوحيد لوالدته، حليمة مصطفى، وشقيقته فاطمة.
وقالت والدته: “عندما سمعنا بخبر الانهيار، انتظرنا لمعرفة ما إذا كان أبو بكر قد تمكن من الخروج بسلام”.
كما لقي محمد الزكي (26 عاماً) حتفه في الانهيار. وذكرت شقيقته، لمياء، أنه كان يدرس الاقتصاد في جامعة بحري بالخرطوم بحري عندما اندلعت الحرب وتوقفت الدراسة.
وقالت: “قرر ألا يكمل دراسته وأن يتجه للعمل في المناجم. كان يدرك أن العمل شاق، لكنه ذهب لأنه أراد بناء مستقبله والزواج. وبعد عام من العمل في مناجم مختلفة، توفي تاركاً في قلوبنا غصة لن تندمل أبداً”.
قال خالد قرشي، الباحث والناشط البيئي في “الجمعية السودانية لحماية البيئة”، إن معظم العاملين في التعدين يفتقرون إلى المعرفة بطبيعة التربة وظروفها.
وأضاف قائلاً: “يعتمد التعدين غير الرسمي على الحفر السطحي دون أي تدابير لتدعيم الجدران، أو استخدام معدات الوقاية الشخصية، أو توفر أدوات الإنقاذ. ولا تتحرك السلطات إلا بعد وقوع كوارث كبرى، حيث تتدخل لإغلاق المناجم مؤقتاً، لتعود وتسمح بإعادة فتحها لاحقاً”.
غياب الفرص
من جانبه، أشار محمد هارون -الذي يدير حفرة تعدين في الولاية الشمالية الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية- إلى أن خيارات الشباب محدودة للغاية. وقال: “إن تفشي البطالة، وتدهور الظروف المعيشية، وانعدام الفرص -حتى قبل اندلاع الحرب- فضلاً عن تفاقم هذه الأوضاع بسبب الحرب، جعلت من التعدين الخيار الوحيد المتاح أمامهم لإعالة أسرهم”.
وأوضح هارون أن ملكية هذه الحفر تعود لأفراد أو مستثمرين يتكفلون بتكاليف الحفر وتوفير الأدوات الأساسية، بينما يتقاضى العمال أجورهم وفق نظام الحصص المرتبط بحجم الإنتاج اليومي. وأضاف: “بمجرد استخراج الذهب، يقوم التجار المحليون ووسطاء التجميع بشرائه نقداً، ثم يُنقل عبر شبكات تجارية إلى الأسواق الرئيسية”.
قال هارون إنه لا يوجد دخل ثابت؛ فالعامل الذي ينزل إلى الآبار قد يقضي ثلاثة أشهر في المنجم ليعثر على قطعة ذهب واحدة تبلغ قيمتها حوالي 2000 دولار، أو قد لا يجني شيئاً على الإطلاق. أما العمال في محطات الغسيل -حيث تُغسل المواد المستخرجة من الآبار لفصل الذهب عنها- فيتقاضون أجورهم بناءً على كمية الحمولة؛ إذ يمكن أن تدر عملية غسيل كيس واحد ما يعادل 30 دولاراً تقريباً، وإن كانت الأسعار تتفاوت من بئر لآخر ومن منجم لآخر.
لقد كان الذهب مصدراً للتنافس بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حتى قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. ومع استمرار القتال، انقسمت حقول الذهب في البلاد فعلياً بين الطرفين.
ووفقاً لمركز الأبحاث “تشاتام هاوس” ومقره لندن، يسيطر الجيش على مناطق التعدين الرئيسية في ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر وجنوب كردفان، بينما تشرف قوات الدعم السريع على عمليات التعدين في دارفور وأجزاء من كردفان، بما في ذلك غرب كردفان.
ووجد “تشاتام هاوس” أنه في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، تقوم هذه القوات شبه العسكرية بحماية عمليات التعدين والتجارة المرتبطة بها، وتفرض قنوات محددة لبيع الذهب، بل وتشارك أحياناً في الإنتاج بشكل مباشر. أما في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، فتتم عمليات الإنتاج والتجارة عبر مؤسسات مرتبطة بالحكومة في بورتسودان، في حين تزايدت عمليات التهريب عبر الحدود.
وأظهرت الدراسة أن عائدات الذهب تُستخدم لتمويل الأسلحة والسلع التي تساعد كلا الطرفين وحلفاءهما على مواصلة القتال. ووفقاً لخبراء كلفهم الأمم المتحدة، فقد تم تهريب كميات كبيرة من الذهب إلى خارج البلاد لتمويل قوات الدعم السريع.
وبعد أقل من أسبوع على حادثة “الزارع”، انهار منجم خامس -هذه المرة في منطقة “عوني” بولاية البحر الأحمر بالقرب من الحدود المصرية- مما أسفر عن مقتل 10 أشخاص على الأقل وإصابة 21 آخرين، بحسب الناجين. وعلى عكس منجم “الزارع”، يقع منجم “عوني” في منطقة خاضعة لسيطرة الجيش، وكذلك الحال بالنسبة لمنجمي “كليتي” و”وادي حلفا” اللذين انهارا في وقت سابق من هذا العام.
المصدر موقع
