من يروي للسودان قصته؟- حين يزور المؤثرون الخرطوم.. لماذا نحتاج إلى «مرافق يعرف السودان»؟
بقلم- محمد بشير أحمد- لم تعد زيارة شخصية عامة أو مؤثر عربي إلى السودان مجرد جولة عابرة بين شوارع العاصمة ومعالمها. ففي عصر المنصات الرقمية، قد تتحول ساعات قليلة يقضيها ضيف في الخرطوم إلى مادة يشاهدها الملايين داخل السودان وخارجه، وربما تكون بالنسبة لكثيرين أول نافذة يتعرفون من خلالها إلى بلد ظل اسمه لسنوات مرتبطاً بالحرب والأزمات أكثر من ارتباطه بتاريخه وحضارته وجغرافيته.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي زيارة من هذا النوع ليس فقط: من سيرافق الضيف؟ بل: هل يعرف هذا المرافق ماذا سيقول للضيف عن السودان؟
لحظة على جسر النيل الأبيض
شاهدتُ أخيراً مقطع فيديو للمؤثر السعودي خالد العليان خلال جولته في العاصمة الخرطوم. وفي أحد المشاهد، وعند وصوله إلى منتصف جسر النيل الأبيض، أو ما يعرف محلياً بـ«كبري السلاح الطبي»، أشار مرافقه السوداني إلى الموقع باعتباره ملتقى النيلين.
سأل العليان عن المقصود، فجاءت الإجابة باختصار: هنا يلتقي النيل الأبيض بالنيل الأزرق.
لا خلاف على صحة المعلومة في حد ذاتها، لكن السؤال الأهم: هل هذه كل الحكاية؟
بالطبع لا.
فالضيف كان يقف عند واحدة من أكثر النقاط دلالة في الجغرافيا السودانية؛ عند المقرن، حيث يلتقي النيل الأبيض والنيل الأزرق، في مشهد طبيعي ارتبط بتكوين الخرطوم وهويتها وموقعها وتاريخها.
كان يمكن أن تتحول تلك اللحظة القصيرة إلى درس مصغر في الجغرافيا والتاريخ السوداني؛ أن يعرف الضيف لماذا سميت المنطقة بالمقرن، وما أهمية التقاء النيلين، وكيف ارتبط موقع الخرطوم بهذا التكوين الجغرافي، وما الذي تقوله الروايات التاريخية والشعبية عن المنطقة.
وكان يمكن، ولو لدقائق، أن يُطلب من الضيف النزول إلى منطقة المقرن نفسها، ليرى المكان الذي يتحدث عنه، بدلاً من الاكتفاء بالإشارة إليه من فوق الجسر.
الضيف لا يرى السودان وحده
هذه النقطة تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة تمس واحدة من أهم أدوات الدبلوماسية الشعبية والإعلام الرقمي في السودان.
المؤثر الذي يحمل هاتفه وكاميرته لا يصور لنفسه فقط.
وراءه جمهور قد يصل إلى مئات الآلاف أو الملايين.
وعندما يقول معلومة عن السودان، فإنها قد تصبح بالنسبة إلى متابعيه هي المعلومة التي يعرفون بها السودان.
ولهذا فإن كل زيارة من هذا النوع ينبغي أن تُعامل باعتبارها فرصة لتعريف العالم بالسودان، لا مجرد برنامج سياحي أو بروتوكولي.
فإذا كان الضيف يقف أمام المقرن، فهذه فرصة للحديث عن النيلين.
وإذا مر أمام المتحف، فهذه فرصة للحديث عن التاريخ والآثار.
وإذا زار أحد الأسواق القديمة، فهذه فرصة للحديث عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وإذا وصل إلى مواقع جيولوجية أو تعدينـية، فهذه فرصة لتعريفه بموارد السودان الطبيعية وإمكاناته.
المكان في السودان ليس مجرد مكان؛ وراء كل مكان قصة.
المشكلة في غياب الإعداد
لا ينبغي تحميل المرافق وحده مسؤولية ضعف المحتوى الذي يخرج من مثل هذه الزيارات.
المسألة في الأساس تحتاج إلى إعداد مؤسسي مسبق.
عندما تستقبل جهة رسمية أو مؤسسة أو شركة شخصية عامة ذات تأثير واسع، يجب أن تكون هناك ورقة مختصرة للزيارة تتضمن:
* المواقع التي سيزورها الضيف.
* المعلومات الأساسية عن كل موقع.
* الحقائق التاريخية والجغرافية الموثقة.
* الروايات الشعبية، مع توضيح أنها روايات وليست بالضرورة حقائق تاريخية.
* أسماء المواقع والشخصيات والأحداث المرتبطة بها.
* الرسائل الأساسية التي ينبغي أن يخرج بها الضيف.
* المعلومات التي يجب تجنبها إذا كانت غير موثقة أو محل خلاف.
وبذلك لا يصبح المرافق مضطراً إلى الارتجال أمام الكاميرا.
نحتاج إلى «مرافق ثقافي»
ربما آن الأوان لأن نفكر في الزيارات المهمة بطريقة مختلفة.
فالمرافق الأمني له دوره، والمرافق الإداري له دوره، والمنسق الإعلامي له دوره، لكن هناك حاجة أيضاً إلى شخص يمكن وصفه بـ**«المرافق الثقافي والمعرفي»**؛ شخص يعرف تاريخ وجغرافية وثقافة المكان الذي يصطحب إليه الضيف.
ليس المطلوب أن يكون مؤرخاً متخصصاً في كل تفاصيل السودان، وإنما أن يمتلك معرفة موثوقة بالأساسيات، وأن يعرف كيف يقدمها في جمل قصيرة وواضحة.
فالمعلومات التي يحتاج إليها الضيف ليست محاضرة أكاديمية من ساعتين.
أحياناً تكفي دقيقتان جيدتان لتترك في ذهنه صورة لا تُنسى.
بين الحقيقة والرواية
السودان بلد غني بالحكايات.
حول كل مدينة تقريباً قصة، وحول كثير من المواقع روايات شعبية متوارثة، وبعضها ارتبط بشخصيات تاريخية وأحداث مهمة.
لكن تقديم هذه الروايات للزائر يحتاج إلى قدر كبير من المهنية.
ينبغي أن نقول:
«تذكر الرواية الشعبية…»
عندما تكون المعلومة من الموروث الشفهي.
وأن نقول:
«تشير المصادر التاريخية…»
عندما تكون لدينا مرجعية تاريخية.
وأن نقول:
«توضح الدراسات الجغرافية أو الأثرية…»
عندما تكون المعلومة قائمة على دراسة علمية.
هذا التفريق مهم، لأن الهدف ليس إبهار الضيف بأي قصة، وإنما تقديم السودان بصورة جذابة ودقيقة في الوقت نفسه.
الخرطوم تحتاج إلى أن تُروى من جديد
في مرحلة التعافي من الحرب، السودان أمام مهمة أكبر من إعادة تأهيل المباني والطرق والمؤسسات.
هناك أيضاً حاجة إلى إعادة تقديم السودان للعالم.
فالصورة التي تصل إلى الخارج لا تتشكل فقط عبر نشرات الأخبار، وإنما عبر الصور والمقاطع والتجارب الشخصية للزوار.
وقد تكون جولة مؤثر واحد في الخرطوم أكثر تأثيراً في بعض الأوساط من بيان رسمي طويل.
لكن الاستفادة من هذه القوة الإعلامية تتطلب أن نعرف ماذا نريد أن نقول.
لا يكفي أن يرى الضيف شارع النيل.
يجب أن يعرف لماذا يمثل النيل جزءاً من ذاكرة السودان.
ولا يكفي أن يقف على جسر.
يجب أن يعرف ماذا يعني المكان الذي يقف عليه.
ولا يكفي أن يرى الخرطوم.
يجب أن يعرف لماذا نشأت المدينة هنا، وكيف صنعت الجغرافيا تاريخها.
من «المرافقة» إلى «رواية السودان»
المطلوب ليس السيطرة على محتوى الضيف أو فرض ما يقوله، وإنما تزويده بالمعلومة الصحيحة وإتاحة الفرصة له لاكتشاف السودان بصورة أعمق.
وهنا يمكن للجهات المعنية بالإعلام والسياحة والثقافة والعلاقات العامة أن تتعاون لإعداد دليل رقمي للزائر، يتضمن أهم المواقع في العاصمة والولايات، مع نبذة قصيرة وموثقة عن كل موقع، وصور وخرائط ومعلومات بالعربية والإنجليزية.
كما يمكن إنشاء قاعدة بيانات صغيرة تضم خبراء ومتخصصين يمكن الاستعانة بهم عند تنظيم زيارات الشخصيات المؤثرة والإعلاميين والوفود الأجنبية.
وبذلك تصبح لدينا منظومة لا تعتمد على اجتهاد شخص واحد، ولا على ذاكرته، ولا على ما سمعه من الآخرين.
لا نريد أن نطمس تاريخنا ونحن نحاول أن نقدمه
القضية في جوهرها ليست ذلك المقطع بعينه، ولا المرافق الذي ظهر فيه.
القضية أكبر من ذلك.
إنها تتعلق بسؤال بسيط ومهم:
عندما يأتي شخص لديه ملايين المتابعين إلى السودان، هل نتركه يرى السودان فقط، أم نساعده على فهم السودان؟
الفرق بين الاثنين كبير.
أن يرى الخرطوم يعني أن يشاهد مبانيها وشوارعها وأنهارها.
أما أن يفهم الخرطوم، فيعني أن يعرف لماذا نشأت هنا، وما الذي صنع هويتها، وما الذي مرت به، وما الذي يجعلها مختلفة.
وهنا تقع مسؤوليتنا نحن.
فإذا لم نعرف تاريخ أماكننا، ولم نمتلك المعلومات الدقيقة عنها، ولم نُحسن روايتها، فمن الطبيعي أن تصل إلى الزائر صورة ناقصة، وقد تنتقل هذه الصورة الناقصة إلى ملايين المتابعين.
السودان يملك ما يستحق أن يُروى
السودان لا يحتاج إلى اختراع قصص جديدة عن نفسه.
لديه ما يكفي من التاريخ والجغرافيا والثقافة والآثار والموارد الطبيعية والحكايات الإنسانية.
ما يحتاجه فقط هو من يعرف هذه القصص، ومن يعرف كيف يرويها.
فالمقرن ليس مجرد نقطة يلتقي عندها نهران.
والنيل ليس مجرد مجرى مائي.
والخرطوم ليست مجرد عاصمة.
كل واحدة من هذه الكلمات تختصر جزءاً من قصة السودان.
ولهذا، عندما يزورنا ضيف مؤثر، فإن مهمتنا لا ينبغي أن تقتصر على أن نقول له: «أهلاً بك في السودان.»
بل يجب أن نكون قادرين على أن نقول له، بثقة ودقة:
«أهلاً بك.. دعنا نريك السودان، ونحكي لك حكايته.»
ففي زمن أصبحت فيه الكاميرا قادرة على نقل صورة بلد إلى العالم خلال ثوانٍ، فإن حسن اختيار من يرافق الضيف قد يكون جزءاً من حسن تقديم السودان نفسه
