مأمون سوار الدهب ركب الأغنية السودانية التونسية في تونس

0

كتب محمد كندشة- مأمون سوار الدهب التمثيل بالسودان هلهل القلل الكبار لعركي واسرار وركب الأغنية السودانية التونسية- ليس كل صاحب صوت جميل يملك حكمة الاختيار، ولا كل من وقف على المسرح أدرك ما معنى أن يكون سفيراً لوطنه في محفل خارجي.

 

والعرب تقول: “إذا هبّت رياحك فاغتنمها”، وللتاريخ شواهد كيف تُولد النجومية من نافذة فرصة واحدة. فأسرار بابكر لم يكن يعرفها أحد، حتى شاركت ممثلة للسودان في ذات المهرجان الذي سبق أن شرّف السودان فيه أبو عركي البخيت بفوزه بالمركز الأول عام 76 بأغنية “بخاف”، وفازت فيه أسرار بابكر بجائزتي أفضل نص وأفضل لحن عن “عشقتك يا وطن”.

 

فما إن ظفرت بتلك الجائزة الفخيمة حتى توهجت نجمة لجيل بأكمله وكانت من الرعيل المؤسس لبرنامج “أغاني وأغاني”، وأثرت وجدان الناس بألبومين تصدّرا سوق المبيعات ساعاتها، ثم حين صدحت برائعة العطبراوي “أنا سوداني” بالروح ذاتها التي فازت بها، أعادت تعريف الأغنية الوطنية، فصارت نشيداً يتردد في كل محفل، وما أخمد توهجها إلا اغترابها، فخبت الأضواء وبقي الأثر منقوشاً بأحرف من نور في سفر الأغنية السودانية.

 

وها هي الرياح ذاتها تهب اليوم على مأمون سوار الدهب، الفنان ذائع الصيت وأحد أركان أغنية الشباب في الألفية الجديدة، المقرّب إلى قلوب عشاق الحقيبة ورصين الاغنيات ، فلم يحسن اغتنامها. وما كان العيب في صوته، فصوته لا يُجادَل في قوته وعذوبته، وإنما كان العيب في سوء تقدير اللحظة وسوء إدارة الفرصة.

 

فمهرجان تونس العربي للإذاعة والتلفزيون ليس حفلاً عابراً، بل هو منبر جامع، تتلاقى فيه عيون الإعلام والقنوات والفنانين من المحيط إلى الخليج. والواقف عليه لا يمثل شخصه، بل يحمل على كتفيه صورة وطن كامل، وتُقرأ كل حركاته وسكناته، من أول ظهوره في المطار حتى اعتلائه خشبة المسرح.

 

وكانت دورة هذا العام مخصصة للموروث الشعبي، وهي سانحة تاريخية ليعيد مأمون وصل العالم العربي بالسلم الخماسي السوداني، ذلك السلم الذي لم يعبر منه إلى آذان العرب بعد “البامبو السوداني” إلا القليل: “الليلة بالليل” لشكر الله، و”باشكا” بصوت حكيم، و”الليل الهادي” بصوت محمد فؤاد، و”مساكن شعبية” بصوت محمد منير، و”دايرة خاتم هدية” بصوت توتا عذاب. فترك هذا الأفق الرحب واختار أغنية موغلة في المحلية هي “أخوي تومي”، متوهماً أن أصالة التراث تكمن في وعورة الكلمة وتعقيد اللحن.

 

ولـ”تومي” قدرها في وجداننا المحلي، لكنها بألفاظها الدارجية المستغلقة فقدت وظيفتها التواصلية خارج حدودنا، فلم تصل إلى السامع العربي، ولم يسعفها توزيع موسيقي باهت ولا مصاحبة أوركسترا لم تُحسن احتضان اللحن ولا إبراز قدرات مأمون الصوتية. وكان في تراثنا ما هو أرحب وأبلغ، ألم تشدُ نانسي عجاج بـ”أندريا” في مسارح عالمية فأنصت لها الجميع؟ ألم يُرقص عبد القادر سالم الأوروبيين حتى الثمالة بإيقاعات المردوم في “حلاة قدريشنا ” و”ليمون بارا” و”حليوة يا بسامة” وهم لا يفقهون حرفاً من كلماتها، لأن الموسيقى كانت مهضومة موزونة تبلغ القلب قبل الأذن؟

 

إن تمثيل الثقافة في المحافل الدولية ليس استعراضاً لتراث مقفل، بل هو فن مخاطبة الآخر، أن تقدم هويتك بذكاء يجعله يحبك ويفهمك.

 

ولقد كان السودان، في عتمة ظرفه الراهن، أحوج ما يكون إلى بارقة جمال ترفع اسمه، وكانت تونس فرصة لتكون لحظة فخر وفرح، لكنها انقضت تاركة وراءها غصة وخيبة في نفوس جمهور كان يرجو حضوراً أكبر وأثراً أبقى.

 

في اعتقادي أن مشاركة مأمون سوار الدهب في الخضراء لم تضف له شيئاً بل خصمت منه كثيراً، ولم يحسن تمثيل السودان بل مثّل به، ومع ذلك يبقى مأمون موهبة لا تُنكر، غير أن الموهبة وحدها لا تصنع فناناً، فالفرص تأتي مرة وقد لا تعود، والعبرة كل العبرة أن تعرف قدر اللحظة قبل أن تفلت من بين يديك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.