أشاوس تأسيس والطلس والتدليس البئيس

0

كتب الصحفي عطاف محمد مختار- إن كنت أنسى، فلا أنسى خبراً انفردت بكتابته قبل الحرب منتصف مارس 2023، وكانت الأوضاع حينها ملتهبة جداً. فحوى الخبر أن نائب رئيس مجلس السيادة – حينها – رئيس ما يسمى بتحالف تأسيس قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي نفى وجود أي خلاف بين الجيش والدعم السريع.

 

وقال حميدتي لقواته بمنطقة كرري في أم درمان، في خطاب رصدته (السوداني): (ما تسمعوا الكلام الفي الإعلام ده، نحن ما عندنا أي خلاف مع الجيش، ناس الجيش ديل إخواننا ونحن بنتقاسم معاهم النبقة.. ويا قوة لو أي واحد من ناس الجيش أداكم كف، أدوه خدكم الثاني).

 

هذا هو حال كبير الأشاوس حميدتي، كذاب أشر، مراوغ مخادع، يجري الغدر في عروقه مجرى الدم.

 

لذلك لا أستعجب أو أستغرب حين أطالع بيانات الميليشيا أو تصريحات أتباعها، الحُبلى بالزيف وليِّ عنق الحقائق التي يبيعوننا للرعاع في الأسافير.. فهم يجيدون الكذب والضلال والتدليس كأنهم يقرأون من مصنف (تلبيس إبليس) للحنبلي ابن الجوزي. فيحرفون المواقف، ويختلقون التصريحات، ويقلبون التواريخ، حتى يظن السامع أن الباطل صار حقاً والميليشيا صارت دولة.

 

هؤلاء قوم بارعون في إلباس الكذب ثوب السياسة، ماهرون في جعل التدليس سلاحاً يطعنون به في كبد الحقيقة، لا يلوون على شيء. وفي ظنهم أن تكرار الزيف كافٍ ليصير واقعاً، وأن التضليل المتقن يغني عن الحجة والبرهان.

 

أمس الموافق 6 سبتمبر صدر بيان من كيان (تأسيس) الذراع السياسي لميليشيا الدعم السريع، بخصوص زيارة وفدها العاصمة البوروندية غيتيغا، بقيادة إبراهيم الميرغني والقوني مصطفى، قال البيان إن الدعوة مقدمة من إيفاريست ندايشيميي (نيفا)، رئيس جمهورية بوروندي – رئيس الاتحاد الأفريقي، لبحث سبل تحقيق السلام في السودان، والدور المطلوب من الاتحاد الأفريقي في إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة.

 

ادعى البيان أن الوفد سلم نيفا احتجاجاً على ترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، بالحوار الذي دعا إليه (جيش الحركة الإسلامية الإرهابية)، وهو حوار يفتقر إلى أبسط مقومات الحوار المتكافئ، ويجري تحت هيمنة الطرف الذي أشعل الحرب ويعمل على استمرارها. وأضاف أن هذا الترحيب، ما لم يُصحح، سيفقد الاتحاد الأفريقي صفة الحياد، لأنه يخالف المبادئ التي قام عليها الاتحاد، وأن هذا المسار يفتح الباب لعودة الانقلابات العسكرية في القارة، ويختطف القرار الأفريقي لمصلحة تنظيمية وشخصية.

 

كما أشار الوفد للتطورات الأخيرة، وفي مقدمتها استخدام السلاح الكيميائي، وضرورة فرض حظر للأسلحة وتفتيش المنشآت، وخطورة امتلاك مجموعات إرهابية لأسلحة كيميائية تتجاوز السودان إلى محيطه الأفريقي.

 

ومضى بيان تأسيس في القول: “أكد الرئيس البوروندي أن موقف الاتحاد الأفريقي راسخ ضد الانقلابات العسكرية، وأن تصريحات رئيس المفوضية لا تمثل إرادة الاتحاد.. وشدد على أن تحقيق السلام العادل في السودان أولوية بالنسبة له، وأن الاتحاد يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأنه سيعمل خلال دورة رئاسته للاتحاد الأفريقي على أن يؤدي الاتحاد دوراً نزيهاً في التوسط لإنهاء الحرب في السودان”.

 

انتهى.

هنا ساحكي لكم القصة من الألف إلى الياء، في نقاط، بالتواريخ والأيام، وهو أمر مهم لإيضاح الصورة بكافة أبعادها

 

في 10 يوليو الماضي، استقبل الرئيس إيفاريست (نيفا) وفداً رسمياً من حكومة السودان، سلمه خطاباً من رئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان، وتم مناقشة إحلال السلام الدائم في السودان.

 

اجتماع وفد تأسيس مع الرئيس نيفا لم ينعقد أمس يوم 6 سبتمبر، إنما انعقد يوم 4 سبتمبر.

 

وفد تأسيس نزل في فندق (كيريري جاردن)، وهو ذات الفندق الذي كان يستضيف في ذات الوقت بعثة فريق الهلال السوداني.

 

عقب اجتماعه مع تأسيس، أجرى الرئيس نيفا يوم 5 سبتمبر محادثة هاتفية مع البرهان، نَوَّره بما دار مع وفد تأسيس.

 

كما أشاد بجهود الحكومة السودانية في تهيئة بيئة الحوار، لا سيما قرارات رئيس مجلس السيادة المتعلقة بمراجعة الإجراءات القانونية ضد المعارضين.. كما رحّب بمبادرة اللجنة الوطنية المستقلة الرامية إلى تحقيق حوار (سوداني-سوداني) في الداخل بمشاركة القوى السياسية والمدنية، مباركاً هذه الخطوة التي وصفها بأنها الأقصر لتحقيق السلام الشامل في السودان.

 

الرئيس نيفا أكد موقف بلاده والاتحاد الأفريقي الداعم للسودان حتى تحقيق السلام والتنمية المستدامة، معرباً عن أمله في عودة السودان قريباً إلى نشاطه في الاتحاد الأفريقي.

 

لم يصدر الرئيس نيفا أي تصريحات ضد الحوار السوداني – السوداني أو يوجه أي انتقادات للاتحاد الأفريقي لترحيبه بالحوار السوداني – السوداني، إنما أيده ودعم خطواته.

 

بالمناسبة، الرئيس إيفاريست نيفا خبير كبير وقديم في تكتيكات المتمردين وألاعيبهم – حبرتجي سياسة وغابات ـ كيف لا وهو كان من أشرس المتمردين في غابات أفريقيا.. فحين اندلعت الحرب الأهلية البوروندية بين الهوتو والتوتسي، وعقب المجازر التي استهدفت الطلاب الهوتو في الجامعة عام 1995، فر من العاصمة بوجومبورا ونجا بنفسه.

 

تميزت سيرة نيفا بمسار حافل انتقل فيه من طالب قانون إلى قائد تمرد مسلح في الغابة، ثم مهندس لدمج القوات المتمردة داخل الجيش النظامي، وصولاً إلى قيادة البلاد.. يُعتبر نيفا نموذجاً للتحول من العمل المسلح إلى إعادة بناء الدولة؛ فبعد نجاته من مجازر الجامعة عام 1995 خلال الحرب الأهلية البوروندية، التحق بحركة (CNDD-FDD) المسلحة وتدرج في صفوفها ليغدو أحد أبرز قادتها الميدانيين. وعقب اتفاقات السلام عام 2003، قاد عملية الانتقال التاريخية بتحويل الحركة إلى حزب سياسي ودمج مقاتليها المتمردين داخل المؤسسة العسكرية النظامية، برتبة لواء ونائب لرئيس أركان الجيش البوروندي الجديد، متولياً بعدها مناصب وزارية وأمنية رفيعة حتى انتخابه رئيساً للجمهورية عام 2020.

 

نيفا يعلم أن التمرد على الدولة في أفريقيا أصبح لديه طريقان لا ثالث لهما، إما أن يندمج في الدولة أو يتم سحقه.

 

لا يمكن للرئيس البوروندي رئيس الاتحاد الأفريقي الذي يسعى للتوسط في حل الأزمة السودانية، أن يصدر تصريحات صبيانية – كما تدعي تأسيس – تدخله في مواجهات وخلافات مع

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الحالي هو السياسي والدبلوماسي الجيبوتي محمود علي يوسف، ومع الدولة السودانية لينسف جهوده في ملف السلام، الذي يعتبره أولوية له في دورة رئاسته، ما يرفع أسهمه ويسطع نجمه وسط العالم حال نجاحه في الملف.

 

نيفا الماكر يعلم حيل المتمردين، لذلك استبق أشاوس تأسيس قبل أن يصدروا بيانهم الضلالي، واتصل برئيس مجلس السيادة ليخبره بما حدث وهي رسالة سياسية فحواها أن الدولة دولة، ولا يمكن المزايدة عليها، وأنه اختار أن يكون وسيطاً راعياً للسلام، وليس طرفاً في الخصام.

 

أحاديث تأسيس وحميدتي عن الانقلابات مسخرة مضحكة (الانقلابات تفوتكم وين انتوا؟) انقلاب 25 أكتوبر شارك وخطط له حميدتي وأنفق فيه الذهب واشترى الذمم بمئات الملايين من الدولارات، بدءاً من اعتصام الموز (والزمان مسغبة) إلى الـ(بكاسي) التي منحها للبعض في الأحزاب والإدارة الأهلية.

وكما قال نيتشه في كتابه (عدو المسيح): “المنحطون في حاجة إلى الكذب.. إنه إحدى شروط بقائهم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.