د.رجاء عبدالله حمد الزبير تكتب.. الحصانة والضمانات القانونية للمشاركين في الحوار: بين حماية العمل السياسي وعدم الإفلات من المسؤولية الجنائية

0

بقلم- د.رجاء عبدالله حمد الزبير- أثارت الدعوة إلى الحوار داخل السودان، وما صاحبها من حديث عن ضمانات وحصانات للمشاركين فيه، نقاشاً قانونياً مهماً حول طبيعة هذه الضمانات وحدودها، ومدى توافقها مع القواعد الدستورية والقانونية ومبادئ العدالة.

 

وتزداد أهمية هذا النقاش لأن الحصانة في مفهومها القانوني ليست مرادفاً للبراءة، ولا تعني بالضرورة سقوط المسؤولية الجنائية، وإنما قد تكون في بعض صورها قيداً إجرائياً على مباشرة إجراءات معينة في مواجهة شخص يتمتع بها.

 

ومن المهم، في البداية، التمييز بين المسؤولية الجنائية عن الفعل وبين الحصانة من الولاية القضائية.

 

فالمسؤولية الجنائية مسألة موضوعية تتعلق بمدى ارتكاب الشخص فعلاً يشكل جريمة وفقاً للقانون، أما الحصانة فهي في الأصل مسألة إجرائية تتصل بإمكانية اتخاذ إجراءات جنائية في مواجهة شخص معين وفي ظروف محددة.

 

ومن ثم، فإن الحصانة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محواً للمسؤولية أو ترخيصاً بالإفلات من العقاب.

 

ومن أبرز السوابق القضائية الدولية في هذا المجال حكم محكمة العدل الدولية في قضية مذكرة التوقيف الصادرة في 11 أبريل 2000 (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا)، الصادر في 14 فبراير 2002، حيث تناولت المحكمة حصانة وزير الخارجية أمام المحاكم الوطنية الأجنبية.

 

وقد انتهت إلى عدم جواز اتخاذ إجراءات قضائية معينة في مواجهة المسؤول الذي يتمتع بالحصانة أمام القضاء الوطني الأجنبي أثناء تمتعه بالصفة التي تمنحه تلك الحماية، لكنها في الوقت ذاته لم تعتبر الحصانة إعفاءً من المسؤولية الجنائية أو دليلاً على مشروعية الأفعال المنسوبة إليه.

 

كما أشارت إلى وسائل أخرى يمكن من خلالها تحقيق المساءلة، منها المحاكمة أمام الجهة المختصة، أو رفع الحصانة، أو المحاكمة بعد زوال الصفة التي تستند عليها الحصانة، أو أمام جهة قضائية دولية مختصة.

 

وتبرز أهمية هذه السابقة في أنها تضع فاصلاً واضحاً بين تقييد مباشرة الإجراءات في وقت معين وبين إلغاء المسؤولية الجنائية ذاتها، وهو تمييز ينبغي مراعاته عند بحث الضمانات المقترحة للمشاركين في الحوار السوداني.

 

وبناءً على ذلك، فإن أي ضمانات تمنح للمشاركين في الحوار ينبغي أن تحدد طبيعتها القانونية بدقة، هل هي عفو عن أفعال محددة، أم وقف مؤقت للإجراءات، أم ضمان بعدم اتخاذ إجراءات خلال فترة زمنية معينة، أم حماية من الملاحقة بسبب المشاركة في الحوار أو إبداء الرأي السياسي؟ فهذه الصور تختلف آثارها القانونية اختلافاً جوهرياً، ولا ينبغي جمعها تحت مسمى «الحصانة» دون تحديد نطاقها وآثارها.

 

وتكتسب المسألة أهمية خاصة إذا كان المقصود بالضمانات حماية السودانيين الموجودين خارج البلاد الذين يرغبون في العودة والمشاركة في الحوار من اتخاذ إجراءات جنائية بسبب مواقفهم أو آرائهم السياسية.

 

فحماية النشاط السياسي المشروع وإبداء الرأي يمكن أن تكون وسيلة لبناء الثقة وتهيئة البيئة الملائمة للتسوية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يمتد إلى الأفعال التي تشكل جرائم مستقلة وفقاً للقانون.

 

وهنا يظهر التمييز الأساسي بين الرأي السياسي والفعل الإجرامي، فليس كل فعل صدر في سياق سياسي يصبح فعلاً سياسياً محمياً، كما أن وصف الاتهام بأنه ذو دوافع سياسية لا يكفي وحده لإسقاط المسؤولية الجنائية.

 

وفي المقابل، لا يجوز استخدام القانون الجنائي وسيلة لمعاقبة الأشخاص لمجرد آرائهم أو مواقفهم السياسية المشروعة.

 

ومن الناحية الدستورية، ينبغي كذلك التمييز بين سلطة العفو أو إسقاط الإدانة وبين الإجراءات المتعلقة ببلاغات لم يصدر فيها حكم قضائي.

 

فسلطة إسقاط الإدانة أو العفو عن العقوبة تفترض، من حيث طبيعتها، وجود إدانة أو عقوبة قائمة، بينما المطلوبون الذين لم تصدر في مواجهتهم أحكام بالإدانة ما زالت أوضاعهم في إطار الدعوى الجنائية السابقة على الحكم.

 

ولذلك لا ينبغي الخلط بين إسقاط الإدانة بعد صدورها وبين إنهاء أو تعليق إجراءات لم يصدر فيها حكم بعد.

 

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ضوء التطور المؤسسي للنظام العدلي السوداني، وما ترتب على الفصل بين وزارة العدل والنيابة العامة من تحديد لاختصاصات كل مؤسسة.

 

فوزارة العدل تؤدي دورها بوصفها المستشار القانوني للدولة، وتمارس الاختصاصات المقررة لها في مجال الشؤون القانونية وتمثيل الدولة، بينما تتولى النيابة العامة، وفق الإطار القانوني المنظم لها، الاختصاص بالدعوى الجنائية وإجراءاتها في مرحلة ما قبل المحاكمة.

 

وهذا التوزيع لا يمثل تعارضاً بين مؤسسات العدالة، وإنما يعكس استقلال الاختصاصات وتكاملها.

 

ومن ثم، فإن أي ضمانات تتصل ببلاغات أو إجراءات جنائية قائمة ينبغي أن تراعي الجهة المختصة قانوناً وطبيعة المرحلة الإجرائية التي وصلت إليها الدعوى، مع عدم الانتقاص من الدور القانوني لوزارة العدل في تقديم المشورة للدولة أو من اختصاص النيابة العامة في إدارة الدعوى الجنائية قبل المحاكمة.

 

كما أن استخدام مصطلحات مثل «شطب البلاغات» أو «إسقاط الاتهامات» أو «الحصانة المؤقتة» يستوجب قدراً من الدقة القانونية؛ لأن لكل مصطلح منها مدلوله وآثاره.

 

ولذلك فإن الضمانات، إذا كان المقصود منها تهيئة بيئة آمنة للمشاركة في الحوار، ينبغي أن تكون مكتوبة وواضحة، وأن تحدد الأشخاص المستفيدين منها، والأفعال التي تشملها، ومدتها، وأثرها على الإجراءات الجنائية القائمة.

 

ولا ينبغي أن تمتد هذه الضمانات إلى حقوق المجني عليهم والمتضررين التي تستند إلى أساس قانوني مستقل.

 

فالقانون الجنائي السوداني لسنة 1991 يقرر، في المادة (38)، أن العفو عن العقوبة التعزيرية لا يمس حق المتضرر في التعويض، بما يؤكد استقلال هذه الحقوق عن مسألة العفو أو التصرف في الدعوى الجنائية.

 

ولا تقف المسألة عند حدود القانون الوطني إذا كانت الأفعال محل الاتهام ترقى إلى جرائم دولية أو انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

 

فقد استقر في القانون الجنائي الدولي على عدم اعتبار الصفة الرسمية للشخص مانعاً مطلقاً من المسؤولية عن الجرائم الدولية، كما أكدت السوابق الدولية أن الحصانات المقررة في إطار القضاء الوطني لا تعني بالضرورة الحصانة أمام المحاكم الجنائية الدولية المختصة.

 

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الحصانة أمام القضاء الوطني والحصانة أمام القضاء الجنائي الدولي. فقضية مذكرة التوقيف أمام محكمة العدل الدولية توضح أن الحصانة من الولاية القضائية الوطنية الأجنبية لا تعني بالضرورة زوال إمكانية المساءلة أمام جهة قضائية دولية مختصة، كما أكدت قضية تشارلز تايلور أمام المحكمة الخاصة لسيراليون أن الصفة الرسمية لا تحول، في الظروف التي يحددها القانون الدولي، دون مساءلة المسؤول أمام محكمة جنائية دولية مختصة.

 

وعليه، فإن الضمانات المطلوبة لإنجاح الحوار السوداني ينبغي أن تكون ضمانات قانونية محددة، غايتها حماية المشاركة السياسية وتهيئة المناخ للحوار، لا إنشاء حصانة عامة تحول دون المساءلة عن الجرائم.

 

فالسلام المستدام لا يرتكز على تجاهل العدالة، كما أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإقصاء العمل السياسي أو معاقبة الرأي المخالف.

 

والحل الأكثر اتزاناً هو وضع ضمانات مكتوبة تحدد نطاقها الشخصي والموضوعي والزمني، وتراعي الاختصاصات القانونية للجهات العدلية، وتفرق بين الرأي السياسي والممارسة السياسية المشروعة من جهة، والأفعال الجنائية المستقلة من جهة أخرى، مع احترام الحقوق القانونية للمجني عليهم والمتضررين.

 

وبذلك يمكن أن يكون الحوار وسيلة لمعالجة الأزمة السياسية دون أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء المسؤولية الجنائية، وأن تكون الضمانات أداة لفتح المجال أمام المشاركة والتسوية، لا ستاراً يحول دون تطبيق القانون.

 

فالحصانة وفق المفهوم القانوني السليم، قد تقيد الإجراء في ظروف معينة، لكنها لا تجعل الفعل الإجرامي مشروعاً، ولا ينبغي أن تتحول إلى طريق لتكريس الإفلات من العقاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.