السودان.. عطاء التونة يختبر إدارة الموارد والشراكات الخارجية

0

كتب- خالد سعد- أثار خبر (اتفاق تنسيق) على طرح السودان لحصته السيادية من أسماك التونة في البحر الأحمر والمحيط الهندي في عطاء دولي، غموض وتندر، ربما لأن مثل هذه الموارد لا تحظى بمعرفة دقيقة وواسعة في النقاش العام كالذهب والنفط والمعادن الحيوية. إلا أن المسألة تختبر في أهم مضامينها صلاحية السلطة في كيفية إدارة مورد سيادي، وجاهزية السودان لتحويل الموارد إلى عائدات لعمار ما دمرته الحرب، وطبيعة الشراكة الاقتصادية في مرحلة تتراجع فيها قدرة الدولة في التحكم على مواردها.

 

ما يربك قليلا في مسألة عطاء التونة، أن السودان لا يملك شواطئ على المحيط الهندي، لكنه بالطبع مطل على البحر الاحمر، وعضو في لجنة أسماك التونة في المحيط الهندي (IOTC) ما يضعه ضمن منظومة إقليمية لإدارة مصايد التونة والأنواع الشبيهة بها، وهي أسماك مهاجرة لا تتوقف حركتها عند الحدود البحرية للدول.

 

وتدرج اللجنة (IOTC) السودان ضمن الدول المشمولة بحدود الصيد المعتمدة للتونة المدارية، وهو ما يمنح المسألة بعدا يتجاوز النشاط السمكي المحلي إلى إدارة مورد بحري ضمن نظام دولي للمصايد.

 

والسودان حسب وثائق اللجنة، عضوا منذ عام 1996م، لكنه لم يقدم تقارير وبيانات إلى اللجنة عن مدى تنفيذه للتدابير والالتزامات المطلوبة في إدارة المصايد، واوصت اللجنة في احدى وثائقها بأن يتواصل الأمين التنفيذي للجنة مع ممثل السودان لدى منظمة الأغذية والزراعة FAO  لمعرفة الأسباب التي حالت دون وفاء السودان بالتزاماته في اللجنة.

 

وقبل اعلان تفاصيل عطاء السودان، لا يمكن معرفة الكمية التي يطرحها السودان، لكن وثائق اللجنة الإقليمية في عام 2026، تضع حدا سنويا قدره 2000 طن للتونة صفراء الزعنفة، وهي من الأنواع التي تصنف بالمرتبة الثانية سوقيا وسعريا.

 

للوهلة الأولى، يبدو الإعلان عن اتفاق التنسيق بين وزير المالية وبين وزير الثروة الحيوانية، على طرح عطاء للتونة، كصفقة تجارية تبحث عن سيولة مالية طارئة لسداد اشتراكات دولية متأخرة، أو المساهمة في معالجة ضرر ما محدود، ناتج عن التراجع الخطير في قيمة العملة المحلية وقت الحرب، لكن العطاء قد يشكل اختبارا لمدى مشروعية الحكومة المؤقتة لإدارة الموارد وجاهزيتها لعقد شراكات خارجية، وبشكل خاص مع المملكة العربية السعودية التي ترجح عديد من المؤشرات أن تلعب دورا رائدا في عملية إعادة اعمار ما دمرته الحرب.

 

وحتى الآن ليس هناك ما يثبت دخول شركة سعودية بعينها في العطاء، ورغم أن العطاء تنافسي، لكن السعودية تبدو الاكثر تأهيلا للعطاء لأن بنية الاستثمار الغذائي السعودي تضم كيانات تمتلك خبرة في قطاعات مرتبطة بالمأكولات البحرية والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، فضلا عن القدرة التمويلية، وفوق ذلك العلاقات السياسية والاقتصادية التي صار يؤطرها مجلس أعلى للتنسيق الاستراتيجي.

 

والسعودية حاليا تحظى بشركات لها خبرات تاريخية طويلة في عمليات الصيد البحري، وتملك أساطيل ومصانع التجهيز، ومهيأة لوجستيا لربط مصائد البحر الأحمر والمحيط الهندي بالأسواق السعودية والدولية مباشرة وبكفاءة تشغيلية عالية.

 

وتبرز شركة “نقوا”، التي تمتلك فيها الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والحيواني “سالك” حصة، باعتبارها نموذجا سعوديا يمتلك خبرة مباشرة في قطاع الاستزراع المائي والمأكولات البحرية.

 

وتعمل “نقوا” في الاستزراع البحري وإنتاج الأسماك والروبيان والتجهيز والتعبئة والتصدير، بما يجعلها أقرب من شركات الأغذية العامة إلى طبيعة النشاط البحري الذي يمكن أن يرتبط بمورد مثل التونة.

 

ولا يعني ذلك أن “نقوا” مرشحة للمشاركة في العطاء، وإنما يشير إلى وجود قدرة تشغيلية سعودية قائمة بالفعل في قطاع الاقتصاد البحري، وهذه نقطة مهمة عند النظر إلى احتمالات الاستثمار في حقوق السودان البحرية، إذ إن الاستفادة من حصة الصيد لا تتوقف على امتلاك الحق في الصيد، وإنما تحتاج إلى أسطول، وتجهيز وتبريد، ونقل، وتسويق، وربط بالأسواق النهائية.

 

أما “سالك”، المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، فتعمل وفق استراتيجية أوسع في الأمن الغذائي والاستثمار عبر سلسلة القيمة الغذائية، وتمتلك محفظة تضم استثمارات في قطاعات الزراعة والأغذية والمأكولات البحرية وسلاسل الإمداد.

 

ولذلك فإن وجود مورد سوداني بحري قابل للاستثمار يمكن النظر إليه ضمن الفرص التي تتقاطع مع التوجه السعودي لتعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الإمداد، وإن كان من المبكر ربط العطاء الحالي بقرار استثماري سعودي محدد.

 

المرجح حاليا في وسائل الاعلام أن الرياض تخطط لاطلاق مشروع اقتصادي كبير في السودان مقارنة بما كان قبل الحرب، لكن ما تزال خطة بهذا الحجم تواجه بتحديات معقعدة، لذلك فإن هذا العطاء يمثل نقطة اختبار مناسبة لقياس مستوى المخاطرة المقبول، والبدء دون انتظار نهاية الحرب بشكل كامل.

 

ومن ناحة اخرى، فإن الاستحواذ على حصة صيد التونة السيادية للسودان – رغم صغر العائد المتوقع- تختبر قدرة الكيانات الغذائية السعودية الكبيرة على الحصول على فرص استثمارية في بيئة محاطة بأزمات خطيرة، وتحويلها إلى رافعة للاستثمار المشترك في مجال الأمن الغذائي، ووذلك لأن قطاع الصيد البحري وعطاء “سمكة التونة” فرصة، كونه نشاط اقتصادي يدار في منطقة منخفضة المخاطر نسبيا بالنظر إلى المياه البحرية المفتوحة والآمنة، والبعيدة جغرافيا ولوجستيا عن جبهات الحرب البرية في السودان.

 

بالطبع السعودية لا تتحرك دون انتباه، فبينما يقترب موعد تفعيل ـمجلس التعاون والتنسيق الإستراتيجي المشترك لإدارة 10 ملفات اقتصادية كبرى بين السعودية وبين السودان، هناك قوى إقليمية ودولية أخرى منافسة، فالصين بأساطيلها العملاقة وقدراتها التمويلية الضخمة، والإمارات بمصالحها اللوجستية الممتدة في السودان وجيرانه، ومصر بحكم ارتباط أمنها القومي المباشر، جميعهم يراقبون هذا العطاء كشارة بداية لمرحلة الاستحواذ على مشروعات ما بعد الحرب.

 

لقد مضت إلى حد بعيد عهود المنح المادية المباشرة التي قد تلتهمها البيروقراطية أو ممرات الفساد الإداري، كما تضاءلت مساحة الصفقات العامة غير الخاضعة للمساءلة المجتمعية، والسياسة الاقتصادية الدولية تقوم على الواقعية، حيث المشروعات تتم عبر صيغة المشاريع الاستثمارية المنتجة والشاملة للأصول، ويمثل طرح السودان لحصصه من أسماك التونة تجسيدا فعليا لهذه الصيغة، فالعوائد المالية المرتقبة من العطاء يمكن أن توجه مباشرة لتسديد الاشتراكات الدولية المتأخرة، أو إعادة تأهيل المحاجر، والمعامل، ومصانع الألبان واللحوم التابعة لوزارة الثروة الحيوانية في السودان لتهيئتها للمرحلة المقبلة.

 

وهذه الدورة المالية القصيرة ستكون بمثابة تجربة عملية لمعرفة الاطار القانوني الذي يحكم التصرف في الموارد، وكفاءة الإدارة، وآليات حماية العقود، واختبار الآلية المصرفية لتحويل الأموال والأرباح في ظل قطاع بنكي يواجه تحديات قديمة وحديثة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.