حسان ناصر يكتب- الراقص على الجماجم في ليل الخرطوم الحزين

0

كتب حسان الناصر- الراقص على الجماجم في ليل الخرطوم الحزين – طَرَحَ عُمَر يُوسُف الدَّقِير، رَئِيسُ ما يُسَمّى المُؤتَمَر السُّوداني، وفق منصة الشرق، رَدًّا على الأحاديث غير الرسمية التي تتحدث عن عَفْوٍ سياسي حول البلاغات المفتوحة اتّجاههم.

 

واحتوى ردّه على عدد من النقاط، أهمّها أنه يقول: “لسنا مجرمين حتى نطلب العفو أو يُطلب لنا، ولم نعتمر قبعة محارب، ولم نحمل بندقية، كل ما فعلناه أننا نظرنا إلى آمال شعبنا التي عَبّر عنها بثورته، فرفضنا الحرب، وإلى آلامه بعد اندلاعها وهي تتفاقم كل يوم، فدعونا وسعينا، ولا نزال، إلى إيقافها بالتي هي أحسن”.

 

ويضيف عليها:”هذا يستدعي ربطها عضويًّا بالمسار الأمني ومسار الاستجابة الإنسانية، وأن تكون مستقلة عن سيطرة أي طرف، عسكريًّا كان أو مدنيًّا”.

 

للأسف، يبدو أن عمر الدقير قد غيّر هاتفه؛ فلو عاد قليلًا إلى رسائل الواتساب لديه أو استديو الصور، لوجد أنهم التقوا بحميدتي في يناير 2024، ووقّعوا معه بنود اتفاق ورد فيها لفظ “حماية المدنيين” أكثر من 52 مرة، وبعدها ارتكب الدعم السريع مجازر كالتي ارتكبتها بلجيكا على حدود نهر الكونغو.

 

فلو كانت قوارير المياه التي شربوا منها تتحدث، لكانت لهم: «فقط افهموا.. أن لا وثيقة أو وفاق؛ ولا حقيقة أو نفاق.. تُخفي على الأطفال عورة من دفنتم من رجال ونساء وقرى ومدن».

 

ذات الاتفاق الذي أقرّ به الدقير وزمرته للدعم السريع بأحقية البقاء في المدن والقرى المحتلّة تحت مسمّى تسهيل المرور وتوزيع الإغاثة، ورفعوا السقف السياسي وفق شروط عسكرية، ولم يتوقف سِفْر المهازل هذا عند حدّه.

 

في اللحظة التي قدّم فيها رئيس مجلس السيادة خارطة طريق الحكومة حول خروج الدعم السريع وإنهاء التمرّد والعمليات الإرهابية، ومن ثم ترتيبات انتقالية تنتهي بانتخابات عامة، قالوا إن البرهان غير شرعي ولا سلطة في السودان، والتقوا على هذا الأساس مع خطوط كثيرة حاكتها دول الجوار، في مقدّمتها الجارة إثيوبيا.

 

نسي الدقير أن هذه المواد التي فُتحت على أساسها البلاغات كانت قد جاءت مُعَدَّلة في الوثيقة الدستورية، تلك الصحيفة التي حِيكَت في دهليز المؤامرات التاريخية، والتي ما صمدت أمام اختلافاتهم وتمسّكهم بامتيازات الحكم، لينهي البرهان هذه المغامرة من ذات الشروط المسمومة التي وقّعوا معه.

 

والعجب أنه كان يمكن دَقّ “نحاس” الحوار قبل حرب التتار هذه، ولكن إن يكن معهم الحق، يأتوا إليه على كروز الحوامة أو سيارات السفارات، أو يخت راعيهم.

 

يبدو أن الابن الضال لدولة” 56″، سليل الأسرة الاتحادية، يحاول أن يمارس فَزْلَكَة الكتابة ورشّ ماء الورد على المواقف. عمومًا، هذه هي عورة السياسة السودانية التي يحاول الدقير أن يسترها، وهو يرقص على فساتين البنات اللائي مزّقتهن أنياب الدعم السريع، وسط أصواتهن في برنامج “المسائية” مع أحمد طه.

 

وللأسف، الدقير، لو كان يمتلك سكرتيرة أو شخصًا يُغلق له “زاير” قميصه الممزّق بدعوات نساء الفاشر وصرخاتهن، لقال له في شتاء نيروبي وأمطارها: إنكم عليكم مراجعة قانوني، أو ضبط “شَفْشَافَة الدعم السريع”. لكن من “شَفْشَفُوا” مواقف الأولاد المساكين في رمضان القيادة، لا يتورّعون في أن يأخذوا غلّة المواقف كلّها، ومن ثم يضرب عرمان والدقير بدفوف الحوار كلما جاء مَحَكّ في مسيرة هذه المعركة.

 

ولو كان للدقير بطانة نصح ممن يشعلون له «سجارة» المغربية في مقاهي المعادي، لقالوا له: يا باش مهندس، إنك ترفع “يافطة” المدنيين وتُبعد نفسك عن زُمْرَة العسكر، ولكنك تطالب بضرورة أن يكون المسار الأمني والسياسي في صفحة واحدة؛ ألا يتعارض هذا مع الموقف الذي تدعو إليه؟ أليس من الوجيه أن تقدّم المسار السياسي وخطتك لإنهاء الحرب من ذات الموقع الذي تدافع فيه عن نفسك؟

 

عمومًا يا الدقير، ما بيننا وبينكم لم يكن أننا سرنا في “العصر تحت عناقيد العنب”، أو خلاف على “لجنة جامع”. لقد سرتم فوق نعش النساء والأطفال، تُهَلِّلون لقاتلهم في القنوات، على مسمع من شواهد قبورهم التي دُفِنوا فيها زرافات، كما تُدْفَن الصحاري مجاري المياه.

 

ولكن “راح ليكم درب الكروزر في دماء الشعب”، لذلك، حتى وإن حملكم البرهان على كتفه، عابرًا بكم غضب الوطنيين من ساسة هذه البلاد، كما حملكم سابقًا، فإن الشعب الذي طعنتموه في خاصرته بالسكين ذاتها التي ذُبِح بها، لن يجعلكم تمشون في الأسواق، أو تشيلوا الفاتحة في عزاء كأبسط تعبير عن تجاوز الخلاف في عادات ” أهل السودان” وبين حديثي هذا وبينكم التاريخ، وطرقات الخرطوم المُخَضَّبَة بدماء الأولاد الأبطال، وزغاريد النساء الحُرّات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.