عميد شرطة (حقوقي) متقاعد محمد علي عبدالله عبد الدائم- الشرق الأوسط: إما رؤية استراتيجية أو العودة إلى التبعية

0

بقلم: عميد شرطة (حقوقي) متقاعد محمد علي عبدالله عبد الدائم- الشرق الأوسط: إما رؤية استراتيجية أو العودة إلى التبعية- يواجه الشرق الأوسط، في ظل تحولات جيوسياسية دولية متسارعة، لحظة مفصلية تضع دول الإقليم أمام خيار استراتيجي لا يقبل التأجيل: إما صياغة “رؤية إقليمية مستقلة” قائمة على المصالح المشتركة والندية، أو الانزلاق مجدداً نحو دوامة “التبعية” للقوى الدولية، والتي غالباً ما تحول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بدلاً من كونها فاعلاً دولياً.

أولاً: أزمة التبعية التقليدية
على مدى عقود اتسمت السياسات في المنطقة بالارتهان للتوازنات الدولية مما أدى إلى:
هشاشة القرار الوطني: جعل السياسات الاقتصادية والأمنية انعكاسات لمصالح القوى الكبرى وليس لاحتياجات الشعوب.
استنزاف الموارد: توجيه جزء كبير من الدخل القومي نحو التسلح والمواجهات بالوكالة، بدلاً من التنمية المستدامة.
انعدام الاستقرار الهيكلي: الاعتماد على “المظلة الأمنية الخارجية” أدى إلى استمرار بؤر التوتر كأداة ضغط دولية.

ثانياً: ملامح الرؤية الاستراتيجية البديلة
تتطلب “الرؤية الاستراتيجية” تحولاً من عقلية “الاصطفاف” إلى عقلية “التكتل والمصالح المتبادلة” ويمكن رصد ركائز هذه الرؤية في الآتي:
1- الأمن الجماعي الإقليمي
الانتقال من مفهوم “الأمن المستورد” إلى التنسيق الإقليمي المباشر، وتأمين الممرات الحيوية (مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر) عبر تفاهمات بين دول الإقليم، مما يقلص ذريعة التدخلات الخارجية.

2- التكامل الاقتصادي العابر للحدود:
تحويل المنطقة إلى منطقة تجارة حرة متكاملة، مرتبطة بشبكة من المصالح التجارية (طاقة، زراعة، صناعة، تكنولوجيا) تجعل من الحرب تكلفة باهظة للجميع.
3- الاستقلال السياسي التعددي:
الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية (الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، الاتحاد الأوروبي) دون الدخول في تحالفات إقصائية تفرض استعداء طرف على حساب الطرف الآخر.
ثالثاً: التحديات والفرص (2026 وما بعدها)
تشير المعطيات الحالية إلى أن المنطقة تمتلك فرصاً غير مسبوقة:
تعدد الأقطاب: العالم لم يعد أحادي القطب، مما يمنح دول الإقليم مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية.
الضغط الشعبي للتنمية: هناك إدراك شعبي متزايد بأن “النزاعات الأيديولوجية” والتبعية لم تجلب سوى الفقر، مما يدفع الأنظمة لتبني أجندات “اقتصاد أولاً”.
إدارة الأزمات: تبرز مؤشرات إيجابية في التهدئة الإقليمية (مثل المفاوضات الدبلوماسية لخفض التوتر) والتي إذا ما ترسخت ستكون حجر الزاوية في بناء ثقة إقليمية طويلة الأمد بين دول المنطقة.

الخلاصة: الخيار التاريخي
إن الانتقال من “التبعية” إلى “الرؤية الاستراتيجية” ليس خياراً بل هو ضرورة وجودية. التبعية تعني البقاء في مربع “المفعول به” الذي تصاغ سياساته في عواصم العالم، بينما الرؤية الاستراتيجية هي الطريق الوحيد للتحول إلى “فاعل إقليمي” يمتلك قراره، ويحمي مصالحه ويحول موقعه الجغرافي من “ساحة صراع” إلى محرك للاقتصاد العالمي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تمتلك نخب المنطقة الإرادة السياسية للتنازل عن مكاسب التبعية قصيرة الأمد مقابل بناء استقرار استراتيجي طويل الأمد لدول المنطقة فيما يعود عليها بالأمن والاستقرار والسلام؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.