سفير السودان لدى روسيا يتحدث عن وثيقة الاستسلام
كتب السفير محمد الغزالي سراج سفير السودان لدى روسيا الاتحادية مقالا تحت عنوان “السودان يصارع التغيرات الهيكلية في المنظومة الدولية عيد النصر ووثيقة الاستسلام وقراءة في سردية حرب السودان” قائلا: بمناسبة عيد النصر في الحرب العالمية الثانية والذي تحتفل به روسيا سنويا في 9 مايو اتيحت لي، مع مجموعة من السفراء المعتمدين لدى روسيا الاتحادية، وبتنسق من وزارة الخارجية الروسية، فرصة زيارة المتحف العسكري.
اطلعنا على وثائق ومقتنيات غير متاحة للاطلاع العام. أهمها اصل وثيقة الاستسلام في الحرب وبعض المقتنيات الخاصة بادولف هتلر حصلت عليها روسيا لدى اجتياحها مدينة برلين الألمانية. ادناه مقتطف من الوثيقة.
نحن الموقعون، بموجب تفويض من القيادة العليا الألمانية، نستسلم بموجب هذا استسلاما غير مشروط للقائد الأعلى لقوات الحلفاء، وفي الوقت نفسه للقيادة العليا للجيش الأحمر ، جميع القوات البرية والجوية والبحرية، التي تخضع في هذا التاريخ للسيطرة الألمانية.
اصدار الأوامر الي جميع القوات الخاضعة للسيطرة الألمانية بوقف العمليات عند الساعة 23:٠1 بتوقيت وسط أوروبا بتاريخ 8 مايو 1945، والبقاء في المواقع التي احتلتها، ونزع أسلحتها بالكامل وتسليم الأسلحة والمعدات للقادة، الموقعون نيابة عن القائد الأعلى لقوات الحلفاء الاستكشافية، ونيابة عن القيادة العليا للجيش الأحمر.
الشهود: القائد العام للجيش الاستراتيجي الأمريكي، والقائد العام للجيش الفرنسي.
اعادت هذه الوثيقة تشكيل الخارطة السياسية العالمية. وضعت أسس النظام الدولي وآليات عمله، في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية الي الان. وتم تأسيس الأمم المتحدة، ومؤسسات برتن وودز الاقتصادية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). لم يكن نظاما دوليا مثاليا من حيث تطبيق المبادي والالتزام بميثاق الأمم المتحدة للحد من ومنع الحروب والنزاعات، وتحقيق علاقات اقتصادية متكافئة تعود بالمنفعة والرفاه لشعوب البشرية على حد سواء. إلا انه يمكن القول عموما ان النظام الدولي جنب البشرية قيام حرب عالمية ثالثة. كما وشهدت البشرية تطورا اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا غير مسبوق خلال الثمانين عاما الماضية، رغم الفوارق البينة في توزيع المكتسبات بصورة عادلة على إنسان الشمال والجنوب.
بعد ثمانية عقود من التوقيع على هذه الوثيقة التاريخية الهامة، والتي بموجبها رسمت مسار البشرية وحددت اليات عمل النظم الاقليمية والدولية ومع حدة الاستقطابات بين عراب النظام الدولي (الغرب) الذين يسعون للإبقاء عليه، رغم اختلالاته، وعدم إنصافه، كما يتبدى في العديد من بؤر التوتر والنزاعات والفوارق التنموية بين الشمال والجنوب، وبين من يسعون لاصلاحه ليلبي المبادي الهادية التي بموجبها تم انشاؤه، او استبداله بنظام دولى متعدد الأقطاب، تتاح فيه الخيارات للفاعلين في المنظومة الدولية باختيار نهج ومسار تطورهم ونماءهم دون فرض قيود وسياسات استغلالية و استعلائية تقود حتما لمزيد من الاحتقانات كما تبدو في العديد من بؤر التوتر والنزاعات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.
ان تعقيدات وضعنا في السودان ناتج من الاضطرابات التي تشهدها المنظومة الدولية حيث ان ميثاق الامم المتحدة، والقوانين والأعراف الدولية واضحة في تعريف التمرد والعدوان، إلا أن الالتفاف عليها واضح في تبني سرديات مغايرة لواقع الحال مما يفرض مدخلات جديدة تعقد المشهد وتسعى لفرض حلول مستوردة لا تتناسب مع الوضع الداخلي وتطلعات الشعب. يبدو ذلك واضحا في المؤتمرات الخارجية وتعدد المبادرات التي ترفع شعارات تبدو براقة، وتستبطن اجندة ذات أغراض سياسية مستوحاه من أحادية التوجه في السياسة الدولية، بغرض استدامة منطق القوة لا العدل كمقاربة للسياسات التي تدعم الأحادية القطبية.
ان احياء روسيا لذكرى عيد النصر سنويا في التاسع من مايو يحمل دلالات ومضامين عديدة، خاصة وان روسيا تكبدت خسائر فادحة في الأرواح تقدر ب ٢٦ مليون شخص، إضافة للدمار الكبير في البنية والعتاد. تعتبر الذكرى رسالة لأهمية التطبيق العادل للمبادي والسياسات في المنظومة الدولية حتى تتجنب البشرية مثل هذا الدمار.
ان الدول المحبة للسلام، ظلت تدعو لعالم متوازن متعدد الأقطاب. برز ذلك بصورة واضحة في الدعوة المشتركة مؤخرا لدول مؤثرة ونافذة مثل روسيا والصين، وتجمعات وتكتلات ذات وزن سياسي واقتصادي مؤثر مثل دول البريكس والقوى المتوسطة الصاعدة تدعم فكرة عالم متعدد الأقطاب يتوزع فيه النفوذ والتأثير بين دول وتجمعات وتكتلات متعددة ومتنوعة توفر بيئة صالحة لترسيخ أسس السلام والاستقرار ونزع فتيل الهيمنة الأحادية على مقدرات الدول والشعوب.
يدفع السودان ثمن هذه التحولات الهيكلية في البنية التنظيمية الدولية، حيث ان السردية الوطنية لحرب العدوان على السودان لا تجد قبولا او حتى تعاطفا من الدول الساعية لاستدامة النمط الأحادي السائد في النظام الدولي، والتي تسعى لتبنى رؤية سياسية تفرض واقعا مغايرا يلبى منهجها و يحقق أغراضها السياسية. صمد السودان وسيصعد حتى يحصل على وثيقة الاستسلام النهائي، او بالتسوية والسلام العادل، الذي يحقق تطلعات الشعب السوداني، حتى ينعم بمستقبل لا وجود فيه لمليشيا تهدد الامن والسلم المجتمعي. وكما حفزت التهديدات الوجودية روسيا للصمود ضد العدوان ومقاومة النازية في الحرب العالمية الثانية، فان وضع السودان الان مماثل لما يواجهه من تكالب عدد من القوى الإقليمية والدولية والتهديدات الوجودية التي تهدف لتغيير ديمغرافي لسكان السودان والذي اصبح عامل صمود وثبات رغم التحديات بتوحيد الوجدان السوداني الحر ضد هذه المهددات فكانت الانتصارات وستتوالى حتى تحرير آخر شبر من ارض الوطن.
