جهات تعطل صفقة شركة أرامكو السعودية مع السودان

0

كتب عادل الباز- من يعطل صفقة شركة أرامكو؟- في الحلقة السابقة، قلت إنني سأوضح لماذا أفضّل الاتفاق مع أرامكو، والآثار الإيجابية المتوقعة لهذا الاتفاق ثم ننتقل للمقارنة بين تجربة كينيا في الاتفاق مع أرامكو، وتجربة أوغندا التي اختارت مسارًا مختلفًا في تعاملها التجاري مع الوقود.

2

أين المشكلة الأساسية في استيراد الوقود؟ ليست مشكلة واحدة، بل جملة مشكلات معقدة ومتداخلة أولها أن شركات البترول المسجلة محليًا (38 شركة على الورق) هي في الحقيقة خمس شركات فقط تتخفى خلف أسماء متعددة وتتبادل الأدوار في نظام الكوتات.

 

هذه الشركات تعتمد على قروض من بنوك الإمارات وبنك النيلين أبوظبي، فتدفع فوائد مرتفعة تنعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل السودان، وتحقق أرباحًا خيالية تتجاوز 22% من سعر الباخرة. ولا تملك أي بنية تحتية حقيقية. والأخطر من ذلك كله أنها تمارس مضاربات مكشوفة في سوق العملة الصعبة، مما يرفع سعر الدولار ويستورد التضخم.

 

الحمد لله، أدركت الحكومة بعد طول غفلة خطورة هذا النظام، فألغته وبدأت تبحث عن بدائل. وفي هذا السياق استقبلت ثلاثة عروض رئيسية، أبرزها عرض أرامكو، وعرض عمان، وعرض ثالث لم يُكشف عن تفاصيله بعد.

3

لماذا أفضّل عرض أرامكو؟ لعدة أسباب جوهرية:

أولاً: يتيح العرض سدادًا مؤجلاً لمدة 180 يومًا، مع قبول ضمانات الحكومة وبنك السودان.

ثانيًا: أرامكو ليست مجرد مورد وقود، بل واحدة من أكبر أدوات الاستقرار الطاقوي والمالي عالميًا. الدخول معها في اتفاق طويل الأجل ينقلنا من اقتصاد الصفقات العشوائية إلى اقتصاد الإمداد المستقر، ويمكن أن يكون الاتفاق ضمن صيغة “حكومة إلى حكومة” (G2G).

 

ثالثًا: الصفقة قد تفتح الباب لإنشاء مستودعات تخزين استراتيجية كبيرة، خاصة أن حرب الخليج دفعت الشركات العالمية الكبرى للاحتفاظ بمخزونات ضخمة قرب الموانئ الحيوية.

 

رابعًا: القرب الجغرافي يقلل زمن الإمداد وتكلفة الترحيل بشكل ملحوظ، ويُغني البلاد عن حاجة ماسة لسعات تخزينية كبيرة غير متوفرة حاليًا.

 

خامسًا: يسمح الاتفاق باستيراد الوقود حسب الاحتياج الفعلي وليس بالفوضى الحالية. فالان   هناك 23 باخرة تنتظر في الميناء، بينما لا تحتاج البلاد سوى خمس بواخر شهريًا تقريبًا. هذا التأخير يكبّد رسومًا باهظة تضاف إلى تكلفة الشراء والترحيل، وتنعكس في النهاية على جيب المواطن.

 

سادسًا: أسعار ثابتة طوال العام بعيدًا عن تقلبات السوق، وإمداد مضمون يغطي كل الاحتياجات البترولية.

سابعًا: أرامكو تنتج 10 ملايين برميل يوميًا، و80% من إنتاجها يمر حاليًا عبر البحر الأحمر، وهو ما يعطيها ميزة تنافسية كبيرة مقارنة بعمان التي تنتج حوالي مليون برميل يومياً فقط.

 

ثامنًا: ستتخلص الحكومة من الضغط اليومي لتوفير الدولار، مما يساعد على تثبيت سعر الصرف والتحكم في التضخم، ويحمي المواسم الزراعية من أزمات الوقود.

 

لهذه الأسباب مجتمعة، يظل عرض أرامكو السعودية — بتسهيلاته الائتمانية واستقراره ودعمه السياسي — الخيار الأفضل والأنسب لتحقيق استقرار فوري في سعر الدولار ومعالجة أزمات التضخم والزراعة.

4.

ولننظر الان في تجربتين إقليميتين:

تجربة كينيا: اعتمدت اتفاق الدفع المؤجل مع أرامكو لـ180 يومًا، فخففت الضغط على الاحتياطي النقدي (حوالي 500 مليون دولار شهريًا)، وساهمت في استقرار الشلن الكيني وانخفاض أسعار الوقود.

 

تجربة أوغندا: اختارت نموذج الاستيراد المركزي عبر شركتها الوطنية بالشراكة مع فيتول، فحققت أرباحًا حكومية (140-150 مليون دولار منذ يوليو 2024) وساهمت في استقرار عملتها.

5.

كلا النموذجين أثبتا أن الحل يكمن في سحب الاستيراد من أيدي الشركات الخاصة والمضاربين، وإسناده لآليات تسيطر عليها الدولة.

6

الأزمة في السودان لم تعد فنية أو لوجستية، بل أصبحت معركة سيادية واقتصادية ضد مافيا الوقود والحكومة أمام فرصة تاريخية الآن.

التلكؤ في اتخاذ القرار لن يخدم إلا مصالح مافيا الوقود. آن الأوان لقيادات الدولة أن تختار: استمرار النزف الاقتصادي، أم الانطلاق نحو استقرار حقيقي بوقود الدولة لا وقود الأزمات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.